الفرق الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ١٢٥ومجمل القول فى هذه الرسالة (1) أن موقعها من أساليب اللغة العربية الثلاثة: أسلوب النفى، أسلوب الإثبات، أسلوب الاستفهام، يقع تحت أسلوب الإثبات. فأثبت نسبته إلى الإرجاء، أى جاءت الرسالة شارحة معنى عقيدة الإرجاء، وتعميقا لمعنى التصديق وعلاقته بالإيمان وقيمة العمل فى كمال عقيدة المؤمن. والذين اتهموا المرجئة بالضلال هم أهل البدع والضلال) ولا ذنب لهم). فمن هنا كانت الرسالة مثبتة مخيبة لرجاء البتى) ولا ذنب لهم»
ثم شرح أهم مبدإ لديهم وهو القول بالتصديق .. ثم سماهم (أهل العدل وأهل
السنة»
وتعتبر الرسالة بما حوت انتصارا لفرقة المرجئة وشرحا لعقيدتهم، وأن التاريخ - كما يرى أبو حنيفة في رسالته المنسوبة إليه - لم ينصفهم. وهذا يذكرنا بقول الشعبي في
الإرجاء.
ومن وجهة نظرى: إن كتب الفرق أكدت أن معنى الإرجاء هو القول بالفصل بين الإقرار والعمل، وعلى هذا ساقت مبدأهم القائل: بأنه لا ينفع مع الكفر طاعة، كما لا يضر مع الإيمان معصية. نفس المبدإ كان منزلقا سهلا للخوارج وفرق الباطنية والإلحاد والزندقة وجميع الحركات السرية التي نشبت بأظفارها في المجتمع الإسلامي. وعلى ذات المبدإ الذى يعنى أن الإيمان هو الإقرار والمعرفة والتصديق، أهملت الشعائر الدينية وشاعت الازدواجية فى القول والعمل، فبات القول في جانب والعمل في جانب آخر، وخرقوا أعمالاً مزرية بالعقيدة، سيئة الهدف مرذولة الأخلاق، مجانبة للسلوك الإسلامي، ما أنزل الله بها من سلطان، استنادا إلى أن أصل الإيمان هو الإقرار وليس شرطه أو شطره العمل. ولما كانت المرجئة هى التي شرعت ذلك من قبل، نالها سوء عملها
،
وفى " شرح المقاصد " للتفتازانى: اشتهر من مذهب المعتزلة أن صاحب الكبيرة بدون التوبة مخلّد فى النار، وإن عاش على الإيمان والطاعة مائة سنة. ولم يفرقوا بين أن تكون الكبيرة واحدة أو كثيرة واقعة قبل الطاعات أو بعدها أو بينها. وجعلوا عدم القطع بالعقاب وتفويض الأمر إلى الله - يغفر إن شاء أو يعذب على ما هو مذهب أهل
(1) كانت الرسالة غير داخلة في أدب الكلام الدفاعي، إنما هى تحسب من أدب المرجئة الذي كتبه أبو حنيفة بلغة المطمئن المقتنع فيه دقة التحليل وسعة الثقافة المذهبية لمذاهب عصره في عرض فلسفى لمفاهيم كلامية دقيقة من غير ملق ظاهر لسائله ولا يستخفى وراء حيلة من حيل الفقهاء، كيف وهو الإمام؟!
125