الفرق الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ١٤٠سبيل إقرارها كلما اجتمع اثنان من رأى واحد، فإنهم مع ذلك قد شاركوا في وضع القضايا الكلامية والتمهيد لنشأة علم الكلام.
(2) تطور الرؤية لدى الخوارج
ظهر الخوارج على المسرح السياسي تحت وطأة التحكيم كما عرضنا، وكانوا دائما فيما قبل قليلي العدد. ولذلك كان لابد لهم من الاكتفاء بالحروب الصغيرة التي كانت تقوم هنا وهناك. ومع ذلك استطاعوا أن يتعبوا قائدا كبيرا كالحجاج، بما كلفوه من جهد لكنهم لم يكن عندهم اهتمام جدى بالتوصل إلى تولى الحكم، بل كانت سياستهم " غير سياسية ألبتة "، وكانت غايتهم الأولى أن ينجوا بأنفسهم وبأرواحهم من شرور هذه الدنيا، واستبد بهم الغرام بالاستشهاد، ليس من أجل أن يسيطروا على العالم الإسلامي، بل لأنهم كانوا يتبرءون من غيرهم من المسلمين.
فأما الآن، فقد تضخمت جماعتهم الصغيرة، فصارت جماهير كبيرة. هذا إلى أنهم تركوا ما كانوا عليه من تشدد أخرجهم على الناس وباعد الناس عنهم، وصاروا يقبلون كل من ينضم إليهم ليعينهم على تحقيق أغراضهم. وهم وإن كانوا قد أخذوا من كان ينحاز إليهم بأن يقول بمقالتهم فى الدين، فإنهم لم يطردوا حليفا أراد أن يقاتل في صفوفهم. على أنهم الآن لم يكونوا في الحقيقة يسعون إلى الجنة، بل صاروا يطمعون في ملك الدنيا، وصاروا في ميدان التدافع من أجل السيادة المتداعية ينافسون غيرهم بنفس وسائل هؤلاء. ولم يكن بينهم وبين الظفر إلا قليل، ولو أنهم ظفروا لما بقوا خوارج النزعة كما كانوا.
وقد بدأت الحركة فى أرض الجزيرة، وهى الولاية التى كانت بمثابة وطن لمروان، لكنها لم تبدأ بين قيس في الجنوب، بل بين ربيعة في الشمال. وكانت ربيعة من قبل متباعدة دائما بعض التباعد عن بقية العرب المسلمين، وخصوصا عن مضر، منافسيهم القدماء. وكانت ربيعة قد اضطروا أن يتخلوا المضر عن أرضهم القديمة، ولم تكن نفوسهم راضية بأن تكون فى مضر النبوة والخلافة. وكانت شيبان بكر بنوع خاص. وكانوا يقطنون ناحية الموصل على ضفتي نهر الدجلة - هم مقدمة جيوش الخوارج منذ أيام شبيب بن يزيد.
-
140