الفرق الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٢٠حتى إذا ما جاء النبي أخذ بزمامهم فخضعوا له. وقد كانت سرعة خضوعهم له، وهو أجنبي عنهم، نتيجة الفوضى التي لا يمكن البقاء عليها، مجالا للاختلاف بين المستشرقين، فهم يرون أن الدافع وراء ذلك الخضوع والانقياد له ـ صلى الله عليه وسلم - هو أن المدنيين الذين بايعوا النبى كان الباعث لهم سببا سياسيا دعت إليه حالتهم المدنية. لكن المؤرخين الإسلاميين يرون أن الباعث الأول: تعاليم الإسلام التي عرضها عليهم النبى فى البيعة الأولى والثانية، والتي قبلتها طائفة المدنيين مخلصين، ونشروها في بلدهم هي السبب المباشر لدخولهم الإسلام. وذلك هو ما يؤيده الواقع، ويرجحه في نظرنا أن الذى ساعد على انقيادهم للإسلام وجود عدد كبير من اليهود الذين يساكنونهم، ومن النصارى الذين يجاورونهم، بالإضافة إلى أنهم كانوا أهل فلاحة واستقرار. فمن هنا نرى أن الروح الدينية عند أهل المدينة كانت هي الباعث الأكبر لقبول الإسلام، فكان لابد من وضع أسس سياسية واجتماعية وتشريعية لهذه الأمة الجديدة، مما هو لازم فى تكوين حياتهم التي أخذت تسلك في أمورها مسلكا جديدا.
وعلى صور هذه العقيدة الدينية الجديدة أخذت تتطور الأمور وتتغير، حتى تتناسب مع الدين ومبادئه. وكلما اتسعت دائرة التعاليم الجديدة، كانت الحاجة ماسة إلى جعل الحياة الاجتماعية على توافق وتناسق معها
يقول فيلهوزن (1): كوّن الرسول في المدينة على أساس من الدين، جماعة موحدة، وكان الأمر اللازم هو الواجب الأولى الذى ينحصر في إقامة النظام والسلام والقانون. ولما لم تكن هناك سلطة أخرى غير سلطته - صلى الله عليه وسلم - فقد أخذت السلطة الدينية مكان الصدارة، وصارت لها القوة وتوطدت أركانها بفضل أنها حققت ما يرجى منها. وفى هذه الأحوال تجلت قوة الدين، ولها طابع سياسي غالب، فأنشأ جماعة، وأوجد فوقها سلطة مطاعة، وكان هو - صلى الله عليه وسلم - رمز رئاسة الدولة. وهكذا ظهرت بين العرب من طريق الإيمان بالله، فكرة الرئاسة، بعد أن كانت حتى ذلك الحين بعيدة عن أذهانهم. وقد ظهرت بظهور ذلك فكرة أخرى، هي أن الحق في السيادة لا ينبغي أن يكون لقوة إنسانية تفرض نفسها على الناس من خارج، وليست السلطة المخولة للحاكم قنيّة خاصة يتصرف فيها صاحبها على النحو الذي يعود عليه بالنفع - بل الملك لله. فليس النبى مجرد مبلغ عن الله، بل هو أيضا الرئيس السياسي الشرعي الوحيد على الأرض. وكان معنى السيادة الإلهية
هو: سيادة العدل والحق وليس تقديس الله فقط.
(1) تاريخ الدولة العربية. ترجمة د. محمد عبد الهادي أبو ريدة
،
20