الفرق الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٢١(3) موقف مجتمع المدينة من الدعوة الجديدة:
كان هناك المسلمون الذين استقبلوا الدعوة الجديدة بالإيمان الصادق، ورأوا فيها مستقبلهم، وهم مهاجرون وأنصار.
من
أما المهاجرون: فهم الذين سبقوا إلى الإسلام من قبائل مكة، وكانوا قلة، خرجوا مكة في أثر النبي وصديقه أبى بكر، بعد هجرتهما إلى المدينة. وأما الأنصار: فهم
يتكونون من عرب الأوس، والخزرج، ويكونون الجزء الأكبر من أهل المدينة. وأقام الرسول بين المهاجرين والأنصار إطارا إنسانيا، حل محل رابطة الدم التي كانوا يتعصبون لها. وكان هناك المنافقون: الذين كان الرسول يعاملهم بحذر، ويتسامح معهم كثيرا. وكان أظهرهم أثرا عبدالله بن أبي بن سلول، زعيم الخزرج. فقد كان هذا الزعيم بعد ذهاب سلطانه السياسي أشد خصومة للرسول.
وكان هناك اليهود الذين استوطنوا المدينة (يثرب والواحات المجاورة لها. وقد كان هؤلاء اليهود، من الناحية العقلية، يمتازون بثقافتهم الدينية والتجارية وفلاحة الأرض. فقد عرفوا الوحى والرسول والكتب المنزلة. ومع ذلك، لم يقروا بالرسول، وناصبوه العداء. وأخذ الخلاف يستحكم بينه وبينهم، وازداد ولم ينقطع، حتى أوقع بطائفة منهم، وطرد أخرى، وآمنت طائفة. ولا شك أن عداءهم للإسلام والرسول كان خطرا، ليس من ناحية السياسة والحرب فحسب، بل أيضا من ناحية استهزائهم به
(1)
صلى الله عليه وسلم - أو أسئلتهم عن أشياء في الدين قصد الإحراج والتعنت. ودار الوحى في المدينة، حول مسائل هذه الطوائف، بنوع خاص، وما وقع في المدينة من انقسام الناس، أمام الدعوة الجديدة يعتبر حالة بيئية محلية، يستشهد بها الذين في قلوبهم مرض على أن الإسلام نزل إلى العرب خاصة ولبيئتهم. وليس غير ذلك، إذ انقسام الناس في المدينة وهى مجتمع مصغر حال ثابتة للمجتمع الإنساني كله، إذ الناس أمام أى دعوة جديدة بين مؤمن بها وكافر ومنافق. ومهما كانت هذه القسمة ثابتة وخاصة بشرية فى أى مجتمع من المجتمعات فقد تتبعها الوحي الإلهي ودار حول مسائل هذه الطوائف بنوع خاص. فكان الوحى موجها إلى أمور الاعتقاد والأخلاق، وفي أمور الحرب والسلام، وكان أهم شيء هو الوحي التشريعي الذي أخذ يبرز فى القضاء والإفتاء والقوانين التي تنظم المجتمع وللعمل بها في المستقبل.
(1) نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي: دكتور على حسن عبد القادر.
21