الفرق الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ١٩١خليفة، ولو كان عبدا حبشيا. الواقع أنهم رضوا جيداً بالانقسام، ولم يؤسسوا ملكا متلاحما قويا أبدا. بل إنهم قاوموا أكثر من ذلك النظام القائم، قبل إقامة نظام جديد ودولة جديدة معينة. كان المثل السياسي لدى الخوارج نوعا من الفوضى التي يعدلها وجود دستور هو القرآن، ووجود إمام هو رئيس روحى أكثر منه رئيس دولة. جمعوا أتباعهم من بين كل أولئك الذين كانوا يحنون إلى حياة الجاهلية، بدون ضغط من السلطة أو حياة فجر الإسلام، وانتدبوهم من بين كل أولئك الذين بقوا متعلقين ببساطة حياة البداوة، ومن بعض الناقمين الذين وجدوا في مذهب الخوارج أحسن سلاح المحاربة مساوئ السلطة والتبعية. إن مذهب الخوارج من الوجهة المذهبية وبسبب نوعية تجنيده الخاص، كان يحمل في طياته طلائع التفكك. فعند انتصاب بني العباس فقدت قوى التفجر التي كان يمثلها، كثيرا من قوتها في العراق والشرق عامة، لكنها بقيت محيرة في المغرب
أنهك الخوارج فعلاً في حروب دامية ساحقة، وخاصة ضد بني أمية، وقد أسهموا بالكثير في إسقاطهم. فشغل السادة الجدد بالدولة المنهارة المتمثلة في شخص أنصارها، وصارت موضوعاً للحيرة. هوجم النظام الجديد من كل جانب وعلى جبهات متعددة، وتناقضت مقاومته للانشقاقات. " كان لتقديس معاوية في القرن الثالث من الهجرة "، من القوة ما جعل المأمون سنة 211 أو 826/ 212 - 826، ثم المعتضد سنة 897/ 284، يعزمان على الأمر بلعن مؤسس الدولة الأموية من أعلى المنابر، ثم عدلا عن ذلك. إن هذين الخليفتين، إذ قررا الشروع في هذا العمل ثم العدول عنه في فترة سبعين سنة تقريبا تفصل بينهما، لدليل، كما لاحظ ذلك شارل بيلا، على أن الخطر كبير، وأن الإقدام على إثارة غضب " أنصار معاوية " لأمر خطير. اعتبر الجاحظ، بصفته خادما أمينا لبنى العباس الذى كان يشعر بالخطر، أنه من واجبه أن ينبه السلطة، " فأدى به الأمر إلى تحرير تقرير حقيقى عن أسباب الانقسامات في الأمة الإسلامية ".
191