الفرق الإسلامية وحق الأمة السياسي محمد إبراهيم الفيومي

الفرق الإسلامية

الجزء ١ · صفحة ٢٢

من ناحية أخرى، فقد أخذ التشريع يهتم بالأعمال ويعطيها الكفة الراجحة، بعد أن كانت الدعوة قبل هذا موجهة إلى الاعتقاد والعقائد وحدها. ومن هنا تجلى الطابع الخلقى العقدي في التشريع الإسلامي، فأخذت النظريات الدينية والأخلاقية تندرج في التشريع الإسلامي، وتحدد اجتهاد المجتهد، والدائرة الكبرى التي حكمت الفقه الإسلامي.

فهي من هذا الوجه حكومة العدل. ومن السلطة المخولة للرسول كانت تتفرع أنواع السلطات التي دون سلطانه، ولكنه لم يعين موظفين بالمعنى الحقيقي، وإنما كان يكلف من يشاء بمهام معينة يؤدونها، وهم بعد أدائها يعودون إلى ما كانوا عليه من تلقاء أنفسهم. ويقول: وأبعد ما يمكن أن يقال فى وصف الحكومة الإسلامية الأولى أنها كانت حكومة القديسين، فهي لم تأخذ طابع منظمة ذات قداسة خاصة، ومن هذا الوجه لم تكن شبيهة بالحكومة الدينية اليهودية. ولم تكن بين المسلمين طبقة من الرهبان، ولا كان هناك تمايز بين الرهبان وبين غيرهم، ولا بين الأمور الدينية والدنيوية. فكانت الكلمة لله فى وظائف الجماعة ومنظماتها على حد سواء، وكان للقضاء والحرب من القداسة ما للصلاة، وكان المسجد يقوم مقام مكان الاجتماعات العامة، وكانت الجماعة هى الجيش، وكان الإمام في الصلاة هو القائد (1).

(4) نظام الإسلام قائم على مفهوم العالمية:

انبثق الإسلام في جزيرة العرب انبثاقا مفاجئا، وأقام بسرعة تكاد تعز على التصديق، في أقل من قرن من الزمن، إمبراطورية جديدة فى غربي آسيا و شواطئ البحر الأبيض المتوسط الجنوبية والغربية. فإنه، بعد أن أقام نظاما سياسيا شمل جميع تلك المناطق المفتوحة، ومن بينها التي كانت قد قضت قرونا وهى في صراع سياسي مع روما - صراع تسنده عقيدة دينية منافسة - واجه مهمة أخرى، هي: إدخال هذه المناطق في نظام ثقافي ديني مشترك قائم على مفهومه العالمى الشامل، فكان عليه من أجل تحقيق هذا الهدف أن يقاوم تأثير المفهوم العالمى السابق، أى المسيحية، في غربي آسيا والنصف الجنوبي من حوض البحر الأبيض المتوسط، ويضعفه إلى أقصى حد ممكن، وأن يحطم الزرادشتية والديانات الثنوية فى فارس، وما بين النهرين، وأن يقيم حاجزا في وجه انتشار البوذية في أواسط آسيا، وذلك لبلوغ أقصى درجة ممكنة من تحقيق الوحدة الدينية والاجتماعية والثقافية فى طول العالم الإسلامى وعرضه.

(1) المرجع السابق.

22