الفرق الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٢١٩،
وكان في هذا مناقضة: ذلك أن الإيمان بالله والاعتراف له بالملك وحده كان من شأنه أن يدعو إلى نبذ كل تمايز بين الأمم من أساسه وكانوا يرون أن مبادئ الإسلام كفيلة لإعطائهم حقوقهم التى انتزعها العرب منهم. ولما كان الفقهاء وأهل الفتيا من الأعاجم يقفون على حقيقة الإسلام، فقد وقفوا بجنب الموالى وهم منهم ليطالبوا بالمساواة بينهم وبين العرب
وكان عمر بن الخطاب قد نظم الدولة الإسلامية طبقا لقانون الفتح، بحيث جعلها دولة للعرب على المغلوبين، وأقامها على أساس من التمييز الديني والقومي على السواء بين طبقتين منفصلتين: طبقة العرب للمسلمين وطبقة أهل الديانات الأخرى من غير العرب. ذلك أن الحاجز الذي كان يفصل بين العرب والموالى أخذ يتصدع بسبب دخول غير العرب في الإسلام شيئا فشيئا، وبسبب غلبتهم في المدن التي أنشئت للجيوش العربية
وكان الموالى بالباب يتربصون الدوائر. كانوا يتطلعون إلى المساواة التامة بالعرب. وكان الإسلام فى جانبهم، فاجتذبتهم الثورة التى كانت تستند إلى الإسلام. ولم يكن من المستطاع كسر الروح الإسلامية، بل كان لابد من أن يحسب حسابها، وأن يكون الإسلام لا القومية، هو الذى يجعل للمواطنين فيها حقوقهم.
كان في الكوفة والبصرة عدد كبير من المسلمين الجدد أو الموالى، وكانوا أول أمرهم أسرى حرب قد أطلقوا. وكان معظمهم من أصل فارسى، وكانوا يكونون طبقة وسطى بين السادة من العرب وبين الرعايا من غير العرب، ولم يكونوا يدفعون لاخراجا ولا جزية. ولكنهم لم يكونوا مقيدين في ديوان المقاتلة، وعلى ذلك لم يكونوا يتقاضون أعطيات، مع أنهم كانوا يرافقون سادتهم السابقين في الحرب ويحاربون معهم. وكانوا ملزمين أدبيا بأن يقوموا السادتهم بكل أنواع الخدمات، فكان موقفهم هذا، لا هم أعلى ولا هم أسفل، لا يرضيهم بطبيعة الحال. وكان من شأن الإسلام أن يدفعهم إلى الطموح، فكانوا يسعون إلى المساواة الكاملة بالعرب
المسلمين.
219