الفرق الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٢٢٢الخالصة. لكنه من الطبيعي أن يتعاون الموالى الذين تضغط عليهم السياسة الأموية وتدوسهم تحت أقدامها. من هنا كان للموالى مصلحة فى كل من هاتين الثورتين، ولكن لعبوا دورا له ما بعده
فالموالى كانت توجد لديهم أسباب متعددة تدعوهم إلى ذلك. لذلك، كانوا دائما ينحازون ضد الحكومة كلما سنحت لهم الفرصة. وكان شعورهم يتزايد يوما بعد يوم من قسوة معاملة العرب لهم على أنهم فئ أفاءه الله عليهم، وعلى ذلك، كان العرب يعتبرونهم جنسا منحطا لا يمتاز عن العبيد إلا قليلا. ولعمرى، إن الشعر العربي ليفيض بالازدراء والاحتقار لمن لم يكن الدم العربي يجري في عروقهم. معنى هذا أن الولاء لقبيلة عربية كان يعتبر شرفا إذا وضع فى الميزان مع الأصل الفارسي
تضامن القراء مع الموالى: وكان أشد الناس حماسة وأقواهم صوتا في الاشتراك في الثورة هم القراء، أعنى أهل الدين من العلماء بالقرآن. وكانوا في كل مناسبة كهذه يظهرون في المقدمة باليد واللسان (1). وذلك أنه لم يكن هناك بد، من بيان السند الدينى الذى من أجله تتهم ا السلطة الحاكمة بالظلم، وعلى أساسه تحل الثورة عليها. ولكن ثورة ابن الأشعث لم يكن لها بالجملة أسباب دينية، بل هي كانت بالأحرى محاولة جديدة قوية ومستميتة من جانب أهل العراق لطرح نير أهل الشام من على كاهلهم. ولما جاء الحجاج زاد فى ضجرهم من هذا النير، وذلك أنه استبقى جند الشام الذين كان قد جاء بهم لمحاربة شبيب فى بلاد العراق. ولم يكن ذلك بقصد حماية الدولة من العدوان الخارجى بمقدار ما كان لأجل حماية سلطانها في الداخل، فكان هؤلاء الجند يمثلون السيادة الأجنبية مجسمة (2). وكان على جند العراق أن يقنعوا بأعطيات قليلة، ويحتملوا في الوقت نفسه مئونة جند الشام ويرسلوا إلى البلاد، على حين كان يبقى جند الشام في أهليهم
وإذن، فلا يمكن تجاهل طبيعة ذلك الصراع، فهو لم يكن صراعا بين الموالي والعرب، بل كان صراعا بين عرب العراق وعرب الشام. فكان صراعا بين ولايتين في الدولة العربية، كانتا تتنافسان دائما، وكان أهل العراق، أيا كان أصلهم، متحدين في
ذلك الصراع
(3)
(1) الطبري: ج 2 ص 1086.
(2) الخوارج والشيعة في ص 9 وما بعدها. فيلهوزن ترجمة عبدالرحمن بدوي.
(3) الطبري: ج 2 ص 1089.
222