الفرق الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٢٤هناك فصل بينهما. فقد كانت أمور السياسة والقانون شأنها ششأن المسائل الدينية من العبادات وغيرها. ومن هنا كان الرسول مؤسسا لدولة سياسية، ولم تكن مهمته علمية دينية فحسب، ولكنها زيادة على هذا سياسية تشريعية. وكان الإسلام عقيدة وشريعة ونظاما اجتماعيا.
لاشك في أن الصحيفة، التي كتبها الرسول - صلى الله عليه وسلم ـ عهدا بينه وبين أهل المدينة، ذلك المجتمع الجديد، وذكرها مؤرخو السيرة النبوية، كانت بمثابة قانون ينظم الحياة العامة والسياسية. وإلى هذا القانون، يرجع الفضل في تغيير أهل المدينة من أحوالهم القبلية القديمة، ولا سيما إذا عرفنا إلى أي حد قد تغيرت، وأصبحت منذ ذلك الحين أمة واحدة. وكلمة «أمة» كانت لا تطلق قبل الإسلام على الأمة العربية، إنما أطلقها وأراد منها رابطة جديدة، تربط الجماعة الجديدة، و رابطة الدم التي كونت القبلية والعصبية. فأصبحت «الأمة» تدل على جماعة تقوم على الدين. فهى جماعة الله التي ترعى مبادئ السلام. والله هو الشهيد. فالإيمان هو رباط الاتحاد، والمؤمنون هم ممثلو معناه، وهم أول من يجب عليهم الوفاء بالاتحاد، وفي الوقت نفسه أول من يتمتعون بالحقوق التي يخولها لهم.
وتلغى
تتألف من كل
وتؤكد الصحيفة أن الأمة لا تشتمل على المؤمنين وحدهم، بل هي من يتبعهم ويحارب معهم. وكذلك اليهود، شملتهم الأمة، وإن كان اليهود لا تقع عليهم نفس الواجبات، وليس لهم نفس الحقوق. وكذلك المشركون دخلوا في مفهوم الأمة، غير مستبعدين منها. وبرغم أنها كانت تشمل اليهود والمشركين، فإن درجة الانتماء ليست واحدة، مع بقاء التمايز بين من له الحق الكامل وبين التابع والنزيل. (1) وبمقتضى الدخول في الأمة، أصبح على القبائل أن تتنازل عن حق الأخذ بالثأر فيما بينها، لأن أول غاية للأمة هى منع الحرب فى الداخل. فإذا قام نزاع وجب أن يعرض على القضاء. وجاء هذا المبدأ فى الصحيفة: وأنكم مهما اختلفتم في شيء فإن مرده إلى الله وإلى محمد عليه السلام. وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حديث أو اشتجار يخاف فساده، فإن مرده إلى الله وإلى محمد - صلى الله عليه وسلم وعلى هذا، أصبح لا يمكن أن يتحول الأخذ بالثأر إلى ثأر يجر ثأرا. وبذلك أصبح هناك سلام واحد شامل، هو سلام، الأمة، فأخرجتها هذه الصحيفة عن أن تكون
(1) تاريخ الدولة العربية: ص.
،
24