الفرق الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٢٣٩وأن يوجدوا لأنفسهم كلاما منطقيا مدققا، وأن يتقنوا المجادلة والمناظرة. فلما شمر المعتزلة عن سواعدهم لمناهضتهم، وجدوا أنهم لن يتمكنوا من مجاراتهم، ولن يتهيأ لهم الغلبة عليهم ما لم يعمدوا مثلهم إلى درس الفلسفة ويستعينوا بها في دعم حججهم وتقوية أقوالهم. فالأدلة النقلية وحدها غير كافية لإفحام الغير وإلزامهم الحجة، وإنما هي تفتقر إلى البراهين العقلية التي تسندها وتظهر صحتها. وهكذا أقبل المعتزلة على درس الفلسفة كيما يتأتى لهم أن يحاربوا خصوم الدين الإسلامي بنفس سلاحهم، ويخاطبوهم باللغة التي اعتادوا أن يفهموها والأساليب التي درجوا عليها وألفوها
ولعل هذه الحاجة الماسة إلى الفلسفة هى التى دفعت المنصور إلى تشجيع الترجمة. فقد كان صديقا لعمرو بن عبيد رئيس المعتزلة في وقته، عظيم الاحترام له. ولعلها أيضا هي التي حملت المأمون على الاهتمام بنقل الكتب اليونانية إلى العربية، فإن المقريزى يقول: إنه ترجم بأمر المأمون في بضعة أعوام من حكمه عددا من الكتب، فتلقاها المعتزلة وأقبلوا على تصفحها والنظر فيها، فاشتد ساعدهم بها وأول معتزلى استفاد من تلك الكتب فائدة ملموسة هو النظام الذي طالع، كما يروى الشهرستاني، كثيرا من كتب الفلاسفة، وخلط كلامهم بكلام المعتزلة، ثم اقتدي به غيره. فكان المعتزلة أقدم المتكلمين فى الإسلام، وهذه هى شهرتهم الأولى
في التاريخ، وذلك واحد من أعمالهم المجيدة التي رفعت ذكرهم وخلدت اسمهم ويقول نيبرج إن هؤلاء المعتزلة المتكلمين قد قاموا بأشد ما احتاج إليه الإسلام في ذلك العصر، ألا وهو الاستعانة بما استعانت به الأديان المحيطة بهم كلها، من أسلوب متين وطريق فلسفي لإبراز ما كمن في الدين من القوى والفضائل. فكان لابد للمعتزلة من الاستغراق في تلك الأبحاث والدقائق، حتى يظهر الإسلام بمظهر التحدى ويفوز بما أراد الفوز به. فالمعتزلة بعملهم هذا لم يدافعوا عن الدين الإسلامي فحسب، بل قربوه إلى أذهان الأمم الأخرى وجعلوهم يفهمونه ويدخلون فيه، وبذلك ساعدوا على نهوضه وانتشاره.
قال آير: إن يحيى الدمشقى آخر آباء الكنيسة الشرقية وممثل اللاهوت المسيحي فيها، وإن كتاباته هى زبدة تعاليم تلك الكنيسة. وقال مكيفرت إن اللاهوت المسيحي وصل ذروته في زمن يحيى الدمشقى الذى وضع في كتبه خلاصة ما بلغه الفكر المسيحي في الشرق، كما يبدو من مطالعة أقوال الدمشقي في كتابه " الإيمان الأرثوذكسى ". والذي يظهر من كل هذا أن الأمويين الأولين كانوا متسامحين في الدين، فلم يمانعوا في قيام مناقشات من هذا النوع. وقد توقفت تلك المناقشات مدة
239