الفرق الإسلامية وحق الأمة السياسي محمد إبراهيم الفيومي

الفرق الإسلامية

الجزء ١ · صفحة ٢٦

والترجمة والتأليف فيه من أروع صور الحوار الفكرى الثقافي بين الإسلام وتراث الحضارات السابقة، ومن أكمل صور التضامن البشرى سموا بالحضارة، وتزاوجا بين التراث الإسلامي والتراث العقلي

أدى هذا التوسع الثقافي إلى تزاوج بين التراثين. ولم يكن تزاوجا عقيما، بل تلاقح وأخصب؛ فامتزج المنطق باللغة، فكان علم النحو وعلم فقه اللغة، وكانت تلك النهضة الفكرية الإسلامية. ودخلت الفلسفة أبحاث اللغة العربية، فكانت تلك البحوث الفلسفية حول اللغة العربية، ودار حول قضايا كان طرحها جديدا، مثل: هل اللغة اصطلاحية أو توقيفية، كتلك القضايا التي عالجها ابن جني في كتابه: الخصائص (2). كذلك امتزج المنطق بأصول (3) الفقه، وبالمسائل الكلامية

وبالعقول العربية، فكان الكندى والفارابي وابن سينا والغزالي وابن رشد.

هذه الولائد الثقافية، تشهد على مقدرة العقلية العربية على الإفادة من الثقافات وهضمها وتمثيلها. وإنها لقاح غير عقيم، على غير ما ذهب إليه فيلسوف نظرية العرق والتميز الأوربي «أرنست رينان ومدرسته، التي ذهبت - عن قصد - إلى تشويه العقلية العربية بأنها لا تحتمل دراسة الثقافات الجادة، وفق قوله، وإذا درستها فلا تسيغها ولا تهضمها ولا تقوى على فهمها؛ فهى عقلية ساذجة لا تستطيع تحليل القضايا المركبة، وإذا حللتها لا تقوى على تركيبها … على هذا الأساس بني نظريته العرقية التي تعنى التمييز بين الأجناس العرقية: الأمة السامية، والآرية، وأتاحت نظريته الاستعمارية للغرب أن يعلن وصايته على تلك الشعوب، ويفتح الطريق واسعا للنيل منها ومن ثقافتها وقيمها ودينها، وأحلت الصراع بينهما محل الحوار الحضاري إن الإبداع الفكرى والازدهار الحضارى، لا يولد ولا يزدهر في جو خانق تسيطر عليه عوامل القهر والتسلط والإحباط والاضطهاد، إنما يكون ازدهاره دائما مع الحرية السياسية والفكرية، وحوار الثقافات، والجدل الحر النزيه عن الخوض في الأعراض والتدني إلى تسفيه أصحاب الآراء.

من هنا، كانت المدارس الإسلامية تحرص على الإبداع الفكري في مجالات العلوم، حتى كانت تلك النهضة الإسلامية الشاملة. لقد كان انفتاحها على الثقافات سببا دافعا إلى مناقشة أصالة تراثها أمام الوافد الجديد من العلوم العقلية، فكان هناك معسكر المحافظين الذين دأبوا على النقل والنصوص، ومعسكر المجددين الذين أخذوا

(1) الخصائص - ابن جني حققه الشيخ محمد على النجار (2) الإمام الغزالي وعلاقة اليقين بالعقل - محمد إبراهيم الفيومي.

26