الفرق الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٢٧بنصيب من التراث العقلى (علوم الحكمة). وكان انقسامهم هذا إلى معسكرين له أثره. في ميادين النشاط الفكري العربي. فرأينا فى الميدان الفقهى: قائلا بالرأي، ومبطلا له يذهب إلى النقل. وأما فى النحو: فقائل بالسماع وقائل بالقياس. وفي التفسير: فقائل بالتأويل، ومبطل له يذهب إلى الرواية. وفى ظل هذه القسمة الثنائية، العقل والنقل، تميزت العواصم الإسلامية وحواضرها الثقافية بعضها عن بعض: فمدرسة الرأى بالعراق، ومدرسة النقل بالمدينة، ومدرسة الوسط العادل بمصر، ونمت مدارس تشيعت للرأى وأخرى تشيعت للنص، ومن توسط بينهما. ودارت في مواد هذه المدارس الفرق والمدارس. ولقد كيف هذا الصراع الفكرى النشاط العقلى الإسلامي تكييفا خاصا، أخذ طابع الحوار الفكرى. وذلك لم يكن بدعا في الثقافة الإسلامية، يغض من شأنها أو يقلل من قيمتها، أو يلحق العقل العربي بسوء كقول «رينان»، إنما هو الشأن فى القضايا الفكرية، تقع دائما بين الجذب والطرد، بين الأخذ والعطاء، بين الخصومة والتصالح، وفى هذا تتشكل العلاقة الدائمة التي تربط بين أطراف المتحاورين.
يذهب ابن خلدون في مقدمته، إلى تأصيل هذه الثنائية، فيقول:
إن العلوم صنفان:
صنف طبيعي للإنسان يهتدى إليه بفكره. وصنف نقلى يأخذه على وضعه.
والأول: هو العلوم الحكمية الفلسفية، وهي التي يمكن أن يقف عليها الإنسان بطبيعة فكره ه، ويهتدى بمداركه البشرية إلى موضوعاتها ومسائلها وأنحاء براهينها ووجوه تعليمها، حتى يفقه نظره ويحثه على الصواب من الخطأ فيها من حيث هو إنسان ذو فكر.
والثاني: هو العلوم النقلية الوضعية، وهي كلها مستندة إلى الخبر عن الواضع الشرعي، ولا مجال للعقل إلا في إلحاقه الفروع من مسائلها بالأصول (1). ومن طريف ما يروى ما رواه أبو حيان التوحيدى فى مقابساته (2). تلك القصة الطريفة كل الطرافة والممتعة كل الإمتاع، وفى نفس الوقت بالغة أعلى الدرجات في البراعة والسخرية اللاذعة والفكهة المفحمة. بطلها ابن ثوابة أحد كتاب الدولة
،
(1) المقدمة: ص 776 (2) المقابسات: أبو حيان التوحيدي. تحقيق حسن
السندوبي
27