الفرق الإسلامية وحق الأمة السياسي محمد إبراهيم الفيومي

الفرق الإسلامية

الجزء ١ · صفحة ٢٨

و

العباسية. يقول عنه ياقوت الحموى (1): إنه كان من الثقلاء البغضاء. أنشأ ابن ثوابة رسالة أسندها إلى غيره، ضمنها بعض الآراء عن بعض المسائل مما ورد فيها عن تعلم المنطق والهندسة، وهذه علوم جديدة، قال فيها على لسان محاوريه: قال له بعض الماكرين: إنك بحمد الله ذو أدب وفصاحة وبراعة، فلو أكملت فضائلك بأن تضيف إليها معرفة البرهان القياسي، وعلم الأشكال الهندسية، وقرأت إقليدس وتدبرته؟ ويجد ابن ثوابة في نفسه ميلا إلى النداء، فيؤتى له بمهندسين: أحدهما نصراني والآخر مسلم، أراد الأول أن يعلمه ما النقطة. والثانى يعلمه ما الخط العقلي في الهندسة. فيظن أنهما يريدان به شرا، وأنهما يقصدان إلى أن يزحزحاه عن إيمانه. وينحل الماكر ابن ثوابة رسالة، يزعم فيها أن صديقه يقص عليه ما جرى له، جاء فيها: قلت للمهندس المسلم: خطط. أخذ يخط وقلبي مروع، يجب وجيبا، وقال لى غير متعظم: إن هذا الخط طول بلا عرض فتذكرت صراط ربي المستقيم، وقلت له: قاتلك الله! أتدرى ما تقول؟! تعالى صراط ربى المستقيم، وإنه لأحد من السيف الباتر، والحسام القاطع، وأدق من الشعر، وأطول مما تمسحون، وأبعد مما تزرعون. ومداه بعيد له وهو شديد أتطمع أن تزحزحنى عن طريق ربي؟ … والله ما خططت الخط وأخبرت أنه طول بلا عرض إلا ضلة بالصراط المستقيم، لتزل قدمي عنه، وأن ترديني في جهنم. وأعوذ بالله وأبرأ إليه من الهندسة ومما تعلنون وتسرون. قال ابن ثوابة: ثم أخذت قرطاسا، وكتبت بيدى يمينا آليت فيها بكل عهد مؤكد وعقد .. ويمين ليس لها كفارة، أنى لا أنظر فى الهندسة أبدا ولا أطلبها ولا أتعلمها من أحد. وأكدت بمثل ذلك على عقبى وعقب أعقابهم: لا تنظروا فيها ولا تتعلموها ما دامت السموات والأرض إلى أن تقوم الساعة لميقات يوم معلوم

،

•

تلك المسامرة التي ذكرها ابن ثوابة، لم تواته من فراغ ثقافي أو ابتدعها خياله ابتداعا، بل واتته من المشادات والمشاحنات التي كانت قائمة فى عصره حول علوم الحكمة أو علوم الأوائل، اختار منها علم الهندسة موضوعا للتفكه والسخرية، برغم أن هذا العلم ظل بعيدا عن القضايا الكلامية، بيانا منه أن الجدل القائم حول هذه العلوم وما يماثلها، يجانب العقل والدين ولا يخدمهما، وهو جدل قائم على إشاعة التشويش، على التراث العلمي. وكان منهج هذا التشويش، كما رمز إليه ابن ثوابة في رسالته التي نحلها على لسان غيره: هو أن يأخذ مصطلحا من مصطلحات العلوم مثلا، كالخط الهندسى العقلى، ثم يتناول آية أو نصا دينيا ليصادم به المصطلح غير الديني، ثم يقوم بخطبة يعرض فيها بالجديد أو بالتجديد، وفى النهاية لم يدرس هذا

(1) معجم.

28