الفرق الإسلامية وحق الأمة السياسي محمد إبراهيم الفيومي

الفرق الإسلامية

الجزء ١ · صفحة ٢٩

ولا ذاك، وإنما اندفع بتعصب أعمى ليشوش بها على من خالف هواه ومغالطاته، وهذا نوع من التضليل في الجدل يميل إليه كثير من الوعاظ والزهاد فيما يذهبون إليه من نصائح فى الوعظ والزهد.

من هنا، كان من رأى التوحيدى فى كتابه الإمتاع والمؤانسة، حين تكلم عن الجدل وآدابه، أن يكون الجدل بريئا من الآفة، منزها عن الهوى والعصبية، محبا للإنصاف في الخصومة، منحرفا للحق في الحكومة .. غير مسترق بالتقليد، ولا مخدوع بالإلف، ولا مسخر بالعرف، مقاوما كل ما يلتاث بالهوس، ويسمج بالتعصب، ويجلب اللجاج.

ويقول الراغب الأصفهاني في كتابه (محاضرات الأدباء في آداب الجدل»: اجتمع متكلمان، فقال أحدهما للآخر: هل لك فى المناظرة؟ فقال: على شرائط ألا تغضب، ولا تعجب، ولا تشغب، ولا تحكم، ولا تقبل على غيرى وأنا أكلمك ولا تجعل الدعوى دليلا، ولا تجوز نفسك تأويل آية على مذهبك إلا جوزت لى تأويل مثلها على مذهبي، وعلى أن تؤثر التصادق، وتنقاد للتعارف، وعلى أن كلا منا يبغى في مناظرته على أن الحق ضالته والرشد غايته

وهكذا صنعت الثنائية، العقل وتياره والنقل وأصوله، قدرا ليس بالقليل من التفاعل الفكرى الجاد، وقدرا ضئيلا أيده بعض المتعصبين الذين ينظرون إلى مسألة العقل والنقل على أنها بدعة. وهكذا جدد الحوار الفكرى بين طرفي الثنائية التواصل الثقافي بين أصحاب المدارس والفرق والمذاهب، فقارب بينها بما أقامه من جسور ثقافية ربطت بين روافد الفكر الإنسانى، ثم قدمته الحضارة الإسلامية في صياغة متجانسة ومتناسقة.

(8) المدينة عاصمة سياسية وثقافية للخلفاء:

بعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - صارت المدينة مقر التراث الإسلامي والمدينة الرئيسة التي تتقرر فيها أمور الدولة. وكان أصحاب الشورى هم أقدم ستة كانوا لا يزالون أحياء من أصحاب النبى، أما بقية أهل المدينة فكانت لهم المبايعة لمن ينتخب، فكان لابد أن تجيء البيعة بعد الانتخاب، وكان لابد أن تتم البيعة في المدينة أما عن امتيازها على غيرها من الأقطار الإسلامية لهذا العهد، فقد قرر هذا الامتياز في مسألتين أصوليتين متصلتين (1) أولاهما: أن إجماع أهل المدينة وحدهم، يكون حجة على من خالفهم، في حالة انعقاد إجماعهم. فإذا اجتمعوا، لم يعتد بخلاف غيرهم.

(1) مالك بن أنس ـ الشيخ أمين الخولي

29