الفرق الإسلامية وحق الأمة السياسي محمد إبراهيم الفيومي

الفرق الإسلامية

الجزء ١ · صفحة ٢٧٧

دعاه لكي يخرج من سمر قند - وكان قد نزلها أول الأمر - ويأتي إلى مرو، فأقبل الحارث إلى مرو في آخر رمضان سنة 127 هـ (أول يولية سنة 745 م). وعلى كثرة أنواع التكريم والهدايا التي غمره بها، نصر، فإنه لم يلزم جانب نصر، وظل متمسكا

بمطالب المرجئة كما كان يفهمها من الناحية العملية، وهو طالب بها نصرا أيضا.

أطلق نصر أبناء الحارث، ورد له أمواله، وأجرى عليه خمسين درهما كل يوم، وأنزله قصرا. ولكن الحارث باع ما أهدى إليه وفرقه فى أصحابه، وعرض عليه نصر أن يوليه ولاية وأن يعطيه مائة ألف دينار فلم يقبل، وأرسل إلى نصر يقول له: " لست من هذه الدنيا ولا من اللذات ولا من تزويج عقائل العرب في شيء، وإنما أسأل كتاب الله عز وجل والعمل بالسنة واستعمال أهل العدل والفضل، فان فعلت ذلك ساعدتك على عدوك ". وأرسل إلى الكرماني يقول: " إن أعطانى نصر العمل بكتاب الله وما سألته من استعمال أهل العدل والتفضل عضدته وقمت بأمر الله، وإن لم يفعل استعنت عليه وأعنتك إن ضمنت ما أريد من القيام بالعدل والسنة

وظل الحارث على مبدئه الذي ثار من أجله قبل ذلك، وقد قال لنصر: " خرجت من هذه المدينة منذ ثلاث عشرة سنة إنكارا للجور، وأنت تريدني عليه ". ولكن ليس هذا مبدأ خاصا للمرجئة، بل هو أولى أن يكون رأى الخوارج (1). وقد انضم إلى الحارث ثلاثة آلاف رجل من قبيلته تميم. والحق أن نصرا أفرط في هذا المنافس الخطر الذى جلبه على نفسه، وكان الحارث من أول الأم التساهل مع وضع نفسه في خدمة قضية الأعاجم في أرض الثغرين، وكتب لهم كتابا بسيرته وسياسته وأغراضه فى إحقاق الحق والعدل. وكان رجاله يقرءون ذلك في الطرق والمساجد. وقد رضى نصر أن يبعث إلى تغرى سمرقند و طخارستان من يرضاه أصحاب الحارث، كما عرض على الحارث أن يوليه ما وراء النهر. ولكن ذلك لم يغن نصرا شيئا، لأن الحارث لم يكن يطمئن إليه ولا يثق فى أنه سيعادي حكومة الأمويين ذلك العداء الحاسم الذي يملأ نفس الحارث ومن تحت رايته السوداء من الأتباع. هذا إلى أن الحارث لم يكن من غير شك يريد بدافع الأنانية أن يسمح لنصر بأن يكون له سلطان إلى جانب سلطانه

(1) راجع فيما يتعلق بالنصوص الطبرى: ج 2 ص 1888 - 1890، 1919

277