الفرق الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٢٨٠وبعد أن قام قواده بحملات كثيرة للهجوم لم تجد شيئا، تقدم نصر نفسه، وكان في
(i)
الثمانين من العمر، ووضع كل قوته في المعركة. وخرج الكرماني لمحاربته، وعسكر الفريقان خارج المدينة في " الخندقين " اللذين بقيت آثارهما زمانا طويلا، وظلا يقتتلان فترة طويلة من غير أن يقع القتال الحاسم. وقد بعث نصر إلى مروان بن محمد وإلى ابن هبيرة يلح فى الاستعانة وطلب العون، ويصف الخطر وصفا يحرك الهمم، ولكنه لم يظفر من استغاثته بطائل. غير أن تخوف العرب من عدو لهم جميعا دعاهم إلى العقل والاتحاد مرة أخرى (2). وقد رأوا بأعينهم أن شيعة بني العباس - ومعظمهم من الأعاجم - قد تجمعوا تحت راية أبى مسلم ونزلوا معسكرا حصينا غير بعيد من مرو. فدخلت ربيعة - التي مع أنها كانت حتى ذلك الحين حليفة للأزد، فقد كان لها بطبيعتها موقف وسط - في الفرجة التي كانت تفصل بين اليمن ومضر، فاتحد يحيى بن نعيم ابن هبيرة، أكبر سادات بكر، مع نصر بن سيار، ووجد أن السبيل الوحيد الممكن لنجاة القبائل العربية هو فى مؤازرة الحكومة. وبدأت مفاوضات بين مضر وبين جديع الكرماني، لكنها انقطعت بسبب ابن الحارث بن سريج، كان مع
نصر بن سيار، فاغتنم الفرصة ليثأر من قاتلى أبيه، فاغتال الكرماني خلسة. غير أن ذلك لم يكن هو السبب الذى أدى إلى فشل المفاوضات. لكن سقوط مدينة هراة، تلك المدينة المهمة، في يد أبى مسلم راع العرب كثيرا وفتح أعينهم أيضا. فحل محل الكرماني رجل من أنصاره لا نعرف عنه شيئا حتى ذلك الحين، وهو شيبان بن سلمة الحروري، فدعاه يحيى بن نعيم بن هبيرة إلى موادعة نصر بن سيار، فوادعه سنة، فاستطاع نصر أن يدخل مرو في آخر سنة 129 هـ (747 م). ولم يكن الأزد وحدهم هم الذين دخلوا في هذه الهدنة، بل دخل فيها أيضا على ابن زعيمهم المقتول: جديع الكرماني ولم يكن من المؤكد أن ينتهى القتال بانتصار أبى مسلم، غير أن أبا مسلم عرف كيف يقنع على بن جديع الكرماني بأن قتل أبيه إنما كان بإيعاز من نصر نفسه، وكان يريد بذلك أن يضم عليا إلى جانبه (أول سنة 130 هـ – سبتمبر سنة 747 م). وعلى هذا عاد (1) وأبيات نصر بن سيار المشهورة التي ذكرها الطبرى (ج 2 ص 1873) تدخل في وصف هذا الموقف (غير أنها تشير إلى الخطر الذي جاء من قبل أبي مسلم. والمؤلف لا يشير هنا إلى الدور الذي لعبه أبو مسلم في التفرقة بين نصر والكرماني. راجع الطبرى: ج 2
ص
(1972
(2) راجع الطبري: ج 2 ص 1962 فما بعدها، و 1975 فما بعدها
280