الفرق الإسلامية وحق الأمة السياسي محمد إبراهيم الفيومي

الفرق الإسلامية

الجزء ١ · صفحة ٢٨٢

بعد دخولهم في الإسلام، لأن العرب أنفسهم كانوا يشتركون في الاحتفالات الدينية للأعاجم، مادامت الاحتفالات مجالا للسرور والتسلية.

وإذا كان الأعاجم قد أقبلوا في بادئ الأمر على الدخول في الإسلام، فإنهم لم يفعلوا ذلك من أجل الإسلام نفسه بمقدار ما فعلوه ابتغاء المزايا التي كان يمكنهم منها. فهم قد اتخذوا الإسلام وسيلة للتقرب من الطبقة الحاكمة وللمشاركة فيما كان لها من مزايا، أى هم اتخذوه وسيلة لكى يستعربوا وينالوا ما كان للعرب من حقوق ومزايا، ثم سموا أنفسهم بأسماء عربية وألحقوا بالقبائل العربية (1). وقد استطاع بعض أهل الطموح منهم أن ينالوا حظوة عند العرب، وأن يلعبوا دورا ذا وجهين في التوسط بين القوميتين العربية والفارسية. وكانوا يسمون النصحاء، وأشهرهم سليم وحبان النبطي.

فكان الموالي - وهذه هي بوجه عام التسمية التى كانت تطلق على من دخل في الإسلام من غير العرب وألحق بالقبائل العربية - يحاربون إلى جانب العرب ويحاربون الأعداء القدماء لوطنهم، وهم الترك، ولكنهم أيضا كانوا من أجل الإسلام يحاربون أبناء وطنهم من السغد، إذا عادى هؤلاء الإسلام وحالفوا الترك. وهكذا تأصل الإسلام في قلوبهم، بعد أن كانوا في أول الأمر قد اعتنقوه لأسباب خارجية. ولقد كانوا في إسلامهم أكثر إخلاصا من العرب أنفسهم (2)

ولكن العرب رغم ذلك لم يكونوا ينظرون إلى الموالى نظرتهم إلى أنفسهم. فإذا كان الموالى فى الجيش، فإنهم كانوا يحاربون مترجلين لا على الخيل، وكانوا إذا برزوا ينظر إليهم بشيء من الريبة. وهم وإن كانوا يتقاضون رزقا ويأخذون نصيبا في الغنيمة، فإنهم لم تكن لهم أعطيات ثابتة، فلم يكونوا مقيدين في الديوان، أعنى في سجل المقاتلة الذين تفرض لهم الأعطيات. ومع أنهم كانوا قد اندمجوا في القبائل العربية، فإنهم كانوا يسمون " أهل القرى " تمييزا لهم عن " أهل القبائل ". ومع أنهم كانوا مسلمين، فإنهم لم تسقط عنهم الجزية. أما الخراج الذي كان يؤديه كل من يملك أرضا حتى العرب منهم، فيظهر أنه على كل حال لم يحدث من التذمر بين أهل خراسان ما أحدثه بين أهل ما وراء النهر، لأن هؤلاء لم يدخلوا الإسلام إلا على أمل أن تسقط عنهم الجزية. ولكن لا شك فى أن عدوى التذمر تسربت من أهل السغد إلى أهل خراسان - وقد عمل الحارث بن سريج وغيره على ذلك

(1) قارن البلاذري ص 441: أسلم بعض الملوك وتسموا بأسماء عربية.

(2) الطبرى: ج 2 ص 1291

282