الفرق الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٢٨٤وكان مقر الشيعة في العراق، شأنها شأن الأحزاب التي كانت تتخذ من الدين سندا لمقاومة حكومة بني أمية. على أن فتح شرقي بلاد العجم كان من وجهة العراق، ومن العراق كانت قبائل العرب لا تزال تهاجر إلى بلاد العجم.
ثم ظل الاتصال بين العراق وبلاد العجم قويا على الدوام، وكان لا يزال يأتي من جهة العراق سيل القبائل العربية إلى أرض النهر، ولم يكن هؤلاء المهاجرون أهدأ العرب نفوسا. ويظهر أن أمراء الأمويين في العراق، ولاسيما زياد بن أبيه والحجاج بن يوسف، أرادوا أن يصرفوا العناصر الخطرة عن الكوفة والبصرة، فيوجهوها إلى خراسان ويستنفدوا قوتها وطاقتها على العمل فى جهاد المشركين ويتخلصوا بذلك من شرها. ومما له مغزاه أن الحجاج كان حريصا على إبعاد جند الشام عن بلاد الأعاجم لكيلا تنتقل إليهم عدوى روح الشر
الجميع
أما بدايات ظهور الشيعة في خراسان فليس عندنا روايات دقيقة، وهذا طبيعي ويبدو كأنما كانت بذور مبادئهم تطير فى الهواء وتنتشر من تلقاء نفسها. أما إلى أى حد كانت أهواء الناس مع الشيعة فى خراسان، فهذا ما يمكن أن يتبينه الإنسان من أن زيد بن على لما أخفق في محاولته الثورة فى الكوفة أشار البعض على ابنه يحيى بأن يخرج إلى خراسان. وقد عمل يحيى بهذه الثورة. وهو وإن كان قد قتل وهو يقاتل ضد الدولة، فإن استشهاده أثار سخطا عند الجم ميع، حتى يروى أن كل الصبيان الذين ولدوا في خراسان في تلك السنة سموا باسمه وإذا كان أبو مسلم قد ظهر بمظهر المطالب بثأر يحيى فإنه كان لاشك يعلم تأثير ذلك في النفوس، وهو بذلك ضرب نغمة وجدت صدى عند الجميع (2). وأيضا كان عبدالله بن معاوية بن جعفر يعتقد أنه إذا خرج إلى خراسان فهو مصيب مكانا أمينا، ولكن أخطأ ظنه فى أبى مسلم، لأن أبا مسلم لم يكن عنده مكان لعلوى حي أكثر مما كان عنده لعلوي ميت، فدس على ابن معاوية من قضى عليه سرا. ولكن ابن معاوية أيضا ظل يعتبر في خراسان شهيدا يقدسه الناس زمانا طويلا، وكان قبره هناك يزار كثيرا (3).
ولو أن العرب فى خراسان اتحدوا فيما بينهم، وشدوا أزر الحكومة، لما استطاع الشيعة بطبيعة الحال أن يندسوا في الفجوات التى أوجدها الشقاق. ولكن كما أن العرب لم يريدوا أن يقاسموا الموالى السلطان، فإنهم أيضا لم يمتع بعضهم به بعضا. (1) المسعودي: ج 6 ص 3
(2) الطبري: ج 2 ص 1985 وج 3. 506 فما بعدها.
ص
(3) أحزاب المعارضة السياسية في الإسلام.
284