الفرق الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٢٨٥وكانت المناصب والمغانم التي كانت في يد الدولة تمنحها وتمنعها موضوعا وسببا للتحاسد الشديد بين القبائل. وظلت العصبية داء العرب الباقى على الزمان، حتى إذا بدأ يتزلزل عرش بني أمية آخر الأمر اشتدت العصبية اشتدادا مروعا، كما رأينا. وقد استغل الشيعة - بالمعنى الخاص للكلمة - هذا الموقف. وكان العباسيون قد اتحدوا منذ أن انفصلوا عن العلويين، وخرجوا من المدينة إلى الحميمة في الأرض الجبلية (أرض الشراة (الواقعة بين جزيرة العرب وبين الشام (1)، حيث لا يمكن أن ينافسهم
معهم
العلويون
ه - الشيعة بين الاعتدال وغلو السبئية
وكان الشيعة فرقتين كبيرتين، وإن كان التمييز بينهما لم يكن دائما تمييزا دقيقا: فرقة معتدلة لا تختلف عن سائر المسلمين إلا فى المبدإ السياسي القائل بأن الخلافة يجب أن تكون فى بيت النبي عليه السلام، وفرقة متطرفة لها مذهبها الخاص في العقائد، وهو مذهب غريب تماما عن الإسلام الأول
وقد سمى الشيعة الغلاة بأسماء مختلفة، ولكنها لا تدل إلا على فوارق قليلة الشأن. ففى أول الأمر سموا السبئية. وفى رأى سيف بن عمر أن هؤلاء السبئية كانوا قتلة عثمان، أول الأمر أصل الشر والبلاء كله في تاريخ الدولة الإسلامية، وهم وفاتحو باب الفتنة والحرب الأهلية، ومؤسسو حزب الخوارج الثائرين، وهم السبب في قتل المسلمين بعضهم بعضا
من
(1) يرجع نسب العباسيين إلى عبد الله بن عباس، المحدث الورع، ابن عم النبي عليه السلام، وابن عم على ابن أبي طالب رضى الله عنه. وبعد أن قتل علي وصالح ابن عباس ظل على علاقة طيبة مع الأمويين ولم يكن يعمل ضدهم إلاخفية، فلما جاء ابنه علي بن عبد الله بعده، وكان مثله في الورع، وكان يلقب بالسجاد أو بذى الثفنات، لم يفعل غير ما فعله أبوه. وفى عهد عبد الملك بن مروان، انتقل إلى دمشق ولكن الوليد بن عبد الملك، بعد أن مات عبد الملك أساء به، فانتقل في سنة 95 هـ مكرها كما يروى، وسكن الحميمة عند أذرح على طريق الحق الآلي من الشام، ومات وهو شيخ كبير في سنة 118 هـ) الطبري: ج 2 ص 1592). وكان لابنه محمد بن على شأن أكبر منه بكثير، حتى وهو على قيد الحياة، فظهر أولا بدعوى إمامة الشيعة، وكان هو مؤسس الدعوة العباسية السرية. وجعلها تعمل من أجله في الكوفة وخراسان، فى حين أنه لم يترك مكمنه فى الحميمة، ومات في ذى القعدة سنة 125 هـ (الطبري: ج 2 ص 1769)، وبعد وفاته جاء ابنه إبراهيم بن محمد إماما ثانيا للعباسيين. وقد ولد إبراهيم هذا في سنة 82 هـ. تاريخ الدولة العربية.
285