الفرق الإسلامية وحق الأمة السياسي محمد إبراهيم الفيومي

الفرق الإسلامية

الجزء ١ · صفحة ٢٩٠

2 - الشعوبية والصراع الثقافي

كانت حركة الفتح الكبرى قد بلغت نهايتها، وأخذ الخليفة الأموى هشام يضطلع بمهمة المحافظة على دولة مترامية الأطراف، لم تتخذ بعد شكلها ونظامها النهائي فاهتم فيما يبدو بأساليب الإدارة التي استخدمتها الإمبراطوريات القديمة، وأخذ كتابه يترجمون له ما يحصلون عليه من كتب في الموضوع. فترجم مولاه سالم، رئيس ديوانه، رسائل أرسطو إلى الإسكندر - ونسبتها إلى أرسطو غير محققة - ويقول المسعودي إنه رأى ترجمات لتواريخ ملوك فارس وكتب فارسية أخرى أمر بها هشام ويتجلى أثر هذه الكتب فى الرسائل الأصيلة التي أنشأها عبد الحميد الكاتب خليفة سالم. فقبل قيام الخلفاء العباسيين، إذن، وجد في بلاط الأمويين أدب مستوحى من مصادر، أحدها المأثور الساساني الفارسي.

(1)

وكان كتاب العباسيين الأول قد بدء واعملهم في الكتابة عند الأمويين، وبخاصة لدى ولاة العراق، كأبي أيوب المورياني، وزير المنصور، وروزبه ابن المقفع الذي اشتهر بالترجمة والتعريب من الفارسية، وإذا كانت كتبه شاهدا على استقواء النزعة إلى تقليد الفرس فما ذاك إلا أمر طبيعي متوقع، إلا أنه لا ضرورة في تفسير هذه الظاهرة أن نردها إلى أى ميول فارسية تقدر أنها كانت لدى الخلفاء العباسيين. وكان أدب البلاط يتسع وينمو نحو إقرار التقاليد الساسانية بدافع من ذاته، دافع بدأت أولياته في الظهور زمن الأمويين، وأخذ يستقوى مع ازدياد طبقات الموظفين. أما كتابات ابن المقفع وما أحرزته من رواج، فلم تكن فى بادئ الأمر سوى حافز آخر يدفع الأدب في ذلك الاتجاه، فهم يحفظون رسائل عبد الحميد و " أدب " ابن المقفع استظهارا، وإذا رغبوا في مزيد لجئوا إلى مؤلفات فارسية أخرى. وقد ذكر ابن النديم في كتاب

الفهرست بضع مئات من أسماء هذه الكتب المسلية (2)

(1) تاريخ الإلحاد والزندقة في الإسلام – عبد الرحمن بدوي

(2) الزندقة والشعوبية وانتصار الإسلام والعروبة عليهما - سميرة مختار الليثي

290