الفرق الإسلامية وحق الأمة السياسي محمد إبراهيم الفيومي

الفرق الإسلامية

الجزء ١ · صفحة ٢٩١

الحب

وعند نهاية القرن الثاني، ظهر أول رد فعل أدبى من جانب العرب على ذلك السيل الأدبى الذى يحمل لواء الصبغة الفارسية. فلئن كانت رغبة الطبقات الوسطى الجديدة تنحصر فى كتب التسلية وحدها، فقد كان فى التراث العربي عناصر يمكن عرضها على نحو يلائم أذواقها. ذلك أنه نشأت من غزل شعراء البادية قصص تعرف بقصص العذرى. ومن بين المؤلفين الكثر فى موضوع الحب والمحبين ممن يذكرهم الفهرست أعلام من اللغويين كهشام الكلبى والهيثم بن عدى. ورمى عرب آخرون بسهم في أدب اللهو هذا، ومنه النوادر، وهي مصنفات في الحكايات كان من بين مؤلفيها الكسائي أحد لغويى الكوفة، وأبو عبيد أحد علماء البصرة، ومنه كذلك قصص القيان التي دخلت من بعد بمختلف صورها في كتاب الأغاني للأصبهاني (القرن الرابع).

وتأصل النزاع بين التراثين العربي والفارسي حتى مس الجذور. فلم يكن جوهر النزاع مسألة سطحية تتناول الأساليب والأشكال الأدبية، إنما كان جوهره يتناول الوجهة الثقافية للمجتمع الإسلامى الجديد برمتها - أى هل تكون الثقافة المرجوة إحياء للثقافة الفارسية - الآرامية القديمة بحيث تبتلع العناصر العربية والإسلامية، أو تكون ثقافة تحتل فيها المآثر الفارسية - الآرامية منزلة ثانوية بالنسبة للمآثر العربية والقيم الإسلامية؟

وكان كلما ازداد وعى الفريقين بالتنافس فيما بينهما ازداد تمسك كل منهما بوجهة نظره. وحمى وطيس الروح الحزبية عند كلا الفريقين. فلم يكن هدفهم تقويض الدولة الإسلامية، بل إعادة تشكيل نظمها الاجتماعية والسياسية والروح الداخلية للثقافة الإسلامية على مثال النظم والقيم الساسانية التي كانت تمثل في نظرهم ذروة الحكمة السياسية (1)

وبلغت حملات الكتاب على العرب ذروتها في النصف الأول من القرن الثالث الهجرى. قد صار الموقف يعرف باسم الشعوبية، وإن كنا لا نعرف هل أطلق عليهم هذه التسمية أتباعهم أو خصومهم على أن التسمية لم تكن جديدة، بل كانت، كما يحدث غالبا، تسمية قديمة تلبست معنى جديدا. فالشعوبية في الأصل هم الخوارج الذين ذهبوا لأسباب دينية ينكرون أن يكون بين الشعوب والقبائل أي تفاضل فطرى، وعارضوا دعوى قريش، بصفة خاصة، في أن تكون الخلافة حقا أصيلا فيها. وحين

(1) العقيدة والشريعة في الإسلام جولد زيهر - ترجمة د. محمد يوسف موسي، د. علي حسن عبد القادر، عبد العزيز عبد الحق.

291