الفرق الإسلامية وحق الأمة السياسي محمد إبراهيم الفيومي

الفرق الإسلامية

الجزء ١ · صفحة ٢٩٢

أنكر الشعوبية الخوارج أفضلية العرب، أنكروا كذلك الإقرار بأي أفضلية للفرس، بينما نادى شعوبيو القرن الثالث بأفضلية الفرس) أو غيرهم من الأمم غير العرب) على العرب، ودافعوا عن دعواهم بحجج اجتماعية وثقافية لا دينية. بيد أنه ليس لدينا شاهد على الإطلاق يدل على أن مؤسسى مدرسة الكتاب وزعماءها الأول، كعبد الحميد أو حتى ابن المقفع، كانوا شعوبيين بأى معنى من هذين المعنيين. وفي هذا الوقت كان قد ازداد الوعى بكل من قوة الحركة الشعوبية وما يكمن فيها من أخطار وكانت قوتها تقوم على أن نتاجها الأدبي يستهوى جميع أصناف الناس ماعدا الفقهاء وعلماء اللغة. وتمخض صراع الأفكار والمصالح هذا عن ولادة أدب جديد، وتصدى كل من الفريقين المتنازعين للآخر مستخدما أدبا نثريا جديدا (1)

(Y)"

وكانت أخطار الحركة الشعوبية من الناحية الأخرى لا تكمن في دعواها الوقحة ضد العرب، فإن الثقافة الآرامية - الفارسية القديمة فى العراق مركز المانوية كانت لا تزال تحمل جراثيم ذلك الضرب من التفكير الحر الذي عرف " بالزندقة "، ولم يتضح فحسب في استمرار وجود الأفكار الثنوية في الدين، بل تجلي بصورة أوضح في الاستهتار والاستخفاف بجميع المذاهب الخلقية وعرف باسم " المجون لقد قامت الدولة العباسية على تحالف خراسان مع العراق، وهما ولايتان كانت غالبية سكانهما (باستثناء الكوفة (من السنة. ثم إن الجهود التي كان يبذلها الخلفاء العباسيون لاسترضاء زعماء السنة وكسب تأييدهم معروفة جيدا. وكان سماحهم باتخاذ المراسيم الساسانية في بلاطهم شيئا، وتشجيع الكشف عن المشاعر المعادية للعرب شيئا آخر. وعندما حل القرن الثاني، كان الارتباط الوثيق القائم من أول الأمر بين علوم القرآن وعلوم اللغة قد ازداد توثقا بتوسع الدراسات العربية عموما، حتى أن الأدب العربي، أى دراسة الأدب والثقافة قبل الإسلام، أدمج بالعلوم الدينية إلى حد كبير. وفي الوقت ذاته، كان انتشار الزندقة والتشكك قد أصبح يعتبر خطرا على الدولة جسيما حتى أن المهدى، الذى يعد في الغالب من محبى الفرس، اضطر إلى محاربة الزندقة ومطاردة أهلها. وعندما قامت ثورة الخرمية على سلطان أهل السنة وقف زعماء الخراسانيين ضدها، ولم يكونوا يقلون عن الخلفاء تحسبا منها وتوجسا. وإذن فإن عنف الدعوة الشعوبية، كلما اشتد، أصبح يعنى أن المشاعر العدائية للعرب

موجهة ضد الإسلام نفسه

(1) العقيدة والشريعة في الإسلام: ص 250 (2) الزندقة والشعوبية - سميرة مختار الليثى.

292