الفرق الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٢٩٣ولم تكن الزواجر السلبية التي اتخذتها الدولة كافية للقضاء على الشر في مهده، فأصبح العثور على علاج أكثر إيجابية ضرورة لازمة. وبالرغم من أن معارفنا الحالية قد تجعل التقدم برأى فى الموضوع من قبيل المجازفة، فقد نقول إن هذا التحدى الديني والفكرى والاجتماعي أدى إلى قيام حركة داخل السنة - متصلبة عقلانية انبثقت المعتزلة عنها فيما بعد. وسبق لبشر بن المعتمر المعتزلى فى القرن الثاني أن حاول نشر تعاليمه، فنظمها شعرا تفهمه عامة الشعب. ونحن مدينون كثيرا للدراسات التي قام بها ميشا لانجلو جويدى، لأنها عرفتنا أن المعتزلة الأول كانوا فريقا من السنة متطرفا في معارضته لزندقة الثنوية، وأنهم اضطروا كي يحققوا مهمتهم إلى اتخاذ أسلحة من الجدل أقوى إقناعا من الاحتجاج بالوحى، وأبلغ أثرا من تهديد السلطات المدنية (1) والذي حدث فى داخل الدولة العباسية فى ظهورها الأول والثاني: أن التيارات الهدامة لمقومات الأمة العقدية والمضاربة كالمزدكية والمانوية والخرمية والقرامطة وحركة الزنج والباطنية - بدأت تظهر بمخططاتها تحمل شعار مقاومة السلطة الرسمية والوقوف بجانب المظلومين .. وحين تبينت الجماعة الإسلامية بأن هؤلاء الملاحدة تضامن العلماء للرد عليهم وبعض من الفرق الإسلامية رفع شعار تقديس الأئمة وإسباغ الصفات الإلهية
عليهم
(2)
هم
ووجدوا ضالتهم فى المنطق والجدل الإغريقييين، وفي رسائل الجدليين النصارى الأولى، واستعانوا بها لدحض المعتقدات الوثنية. وليس من قبيل المصادفة المحض إذن أن تنشط ترجمة كتب الفلسفة والمنطق الإغريقية نشاطا كثيرا في أوائل القرن الثالث. ومن الصعب أن نتصور أن المأمون أسس بيت الحكمة بدافع من رغبته الشخصية في الفلسفة اليونانية. وأقرب إلى المنطق أن نقول إنه اقتنع بأن الترجمة ستمده بوسائل جد ملائمة تعينه على أن يطهر الإسلام من بقايا زندقة الثنوية)
(3)
وقد أطلق على هؤلاء الناس اسم الزنادقة، وهي كلمة كانت تدل على معان مختلفة في الأزمنة المتباينة. ففي بادئ الأمر كانت تطلق على الذين اعتنقوا الآراء الفارسية، وأخيرا كانت تدل على أتباع الديانة المانوية. ومع ذلك فقد اتسع مدلولها شيئا فشيئا حتى أصبحت مرادفة لكلمة ملحد، أي لا يعتد بالدين
(1) نفس المرجع السابق.
(2) تاريخ الإلحاد والزندقة في الإسلام - عبدالرحمن بدوي (3) تاريخ الإلحاد والزندقة في الإسلام - عبد الرحمن بدوى.
(4) الزندقة والشعوبية - سميرة مختار الليثى.
(4)
293