الفرق الإسلامية وحق الأمة السياسي محمد إبراهيم الفيومي

الفرق الإسلامية

الجزء ١ · صفحة ٢٩٨

(3) الزندقة والمانوية:

وقد كانوا يعتنقون مذهب الثنوية الديني، ويعبدون الهين، ويتبعون تعاليم ماني. وكان الناس يذكرون عنهم أنهم يعبدون رأسا إنسانية (1)، وهذه الأشياء كافية في نظرنا جدا لاعتبار الزنادقة الأول هم المانوية، ولكن لدينا دليلا أوضح على هذا الرأي، فإننا نجد في كلام واحد من أقدم الكتاب العرب وصلتنا مؤلفاته عبارة مهمة جدا يتكلم فيها على كتب الزنادقة الدينية ويذكر محتوياتها، وكل ما يذكره عنهم يتفق كل الاتفاق ما نعرفه عن مبادئ المانوية الدينية وأوامرهم من المصادر الأخرى. وهذه العبارة التي بقيت مجهولة حتى الآن هي كما يلي (2)

مع

قال إبراهيم السندى مرة وددت أن الزنادقة لو يكونوا (كذا) حرصى على المقالات بالورق النقى الأبيض، وعلى تحلل الحبر الأسود المشرق البرق، وعلى استجادة الخط والإرغاب لمن يخط، فإنى لم أر كورق كتبهم ورقا ولا كالخطوط التي فيها خطا. وإذا غرمت مالا كثيرا مع حبى للمال وبغض الغرم كان سخاء النفس بالإنفاق على الكتب دليلا على تعظيم العلم. وتعظيم العلم دليل على شرف النفس وعلى السلامة من سكر الآفات. قلت لإبراهيم: إن إنفاق الزنادقة على كتب حكم وكتب فلسفة وكتب مقاييس وسنن نبيين وتبيين، أو لو كانت كتبهم كتبا تعرف الناس أبواب الصناعات أو سبل التكسب والتجارات، أو كتب ارتفاقات ورياضيات، أو بعض ما يتعاطاه الناس من الفطن والآداب، وإن كان ذلك لا يقرب من غنى ولا يبعد من مأثم، لكانوا ممن قد يجوز أن يظن بهم تعظيم البيان والرغبة في التبيين. ولكنهم ذهبوا فيها مذهب الديانة على طريق تعظيم الملة، فإنما إنفاقهم فى ذلك كإنفاق المجوس على بيت النار، وكإنفاق النصارى على صلبان الذهب أو كإنفاق الهند على سدنة البددة ولو كانوا أرادوا العلم لكان العلم لهم، معرضا، وكتب الحكمة لهم مبذولة والطرق إليها سهلة معروفة، فما بالهم لا يصنعون ذلك إلا بكتب ديانتهم كما يزخرف النصارى بيوت عبادتهم. ولو كان هذا المعنى مستحسنا عند المسلمين، أو كانوا يرون أن ذلك داعية إلى العبادة وباعثة على الخشوع، لبلغوا في ذلك بعفوهم ما لا تبلغه النصارى بغاية الجهد. وقد رأيت مسجد دمشق حين استجاز هذا السبيل ملك من ملوكها، ومن رآه فقد علم أن أحدا لا يرومه وأن الروم لا تسخو أنفسهم به. فلما قام

(1) الأغانى: ج 13 ص 74، 76.

(2) الجاحظ: كتاب الحيوان: ج 1 ص 28 - 30) طبعة مصر سنة 1323).

298