الفرق الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٣٠٠،
كتب المانوية الأصلية كانت في متناول الجاحظ، ومن المحتمل كل الاحتمال أنه كانت لديه ترجمة عربية منها. ومما يدل دلالة واضحة على أن تعاليم المانوية كانت معروفة في ذلك الوقت معرفة جيدة جدا، وكانت محلا للعناية والتقدير أن كاتبين مشهورين مثل الجاحظ وابن النديم) صاحب الفهرست (ذكراها بصراحة، وأن الأول يوازن بين دين المانوية وبين المسيحية واليهودية. وعلى أي حال فإن ركون المانوية إلى زخرفة كتبهم وتجميلها يدل على أنهم لم يكونوا فقراء، ولم يكن هناك من الأسباب ما يدعوهم إلى التخفى. ويبدو لنا أن الديانة المانوية كانت تشمل أمورا كثيرة جذبت الناس إليها، فهى بإدخالها الأفكار المسيحية والمجوسية في نظامها الديني استمالت بقوة كلا من المسيحيين والمجوس، كما أن شكل العبادة الظاهرى بها كان قريبا من الإسلام إلى حد عجيب فقد كان واجبا أيضا:
6
ونظرا للحقائق التي استشهدنا بها: يجب التسليم بأن النظام الفلسفي الفارسي والعربي المعروف باسم التصوف من أصل هندى. على أنه لا يمكن الشك بصفة جدية في أن أفكارا دينية مسيحية بل ومانوية كثيرة قد تسربت إليه. ويرجع أصل التصوف. العربي الأول المعروف بنزعته الصادقة إلى الزهد إلى المسيحية إلى حد كبير. ولكن التصوف المتأخر فى الزمن الذى لا يراعى إلى حد ما العقائد الإسلامية بل ويعتبر الحادا
يشمل على العكس من ذلك آراء الأفلاطونية الحديثة وكثيرا من العناصر الهندية (1) وهكذا نستطيع أن نقرر بدرجة من التحديد التغيرات المختلفة التي اعترت تراث الإسلام بتأثير الأفكار الأجنبية. فالمسيحية أولا أدت إلى نمو عناصر الزهد، ووضعت أساس علوم الدين فى الإسلام ودراسات المدارس الإسلامية التي نمت فيما بعد نموا كبيرا. وكانت المانوية التي تمتعت بأيام من العز الشامل في عهد المأمون عامل هدم خالص، إذ إنها أوجدت وتعهدت الاستهتار والإلحاد الدينى بين المسلمين إلى حد أن لفظ الزنديق أصبح مرادفا لحر التفكير والكافر، وقد دخلت فكرة المسيح إلى الإسلام
أن
في أيامه الأولى من اليهودية ولعبت دورا مهما بين الشيعة. ومن الواضح فكرة العصر الألفى، أى الألف عام التي سيملك فيها المسيح على الأرض ونظرية البعث، تمت على العكس من ذلك إلى المسيحية. وقد أنتجت هذه المثيرات الدينية حركة فكرية حرة وأيقظت بين المسلمين الرغبة فى دراسة الثقافة الأجنبية، حتى أنه في فترة قصيرة جدا أصبحت كثير من مؤلفات المفكرين الإغريق فى متناول العرب بفضل الكتب المترجمة إلى العربية
(1) تاريخ الغزوات الثقافية فى بلاد الإسلام: فون كريمر - تعليقات – خدابخش
300