الفرق الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٣٠٥L
فلما تولى المعتصم زمام الملك، رأى من الحكمة أن يعقد هدنة مع إمبراطور الروم، ثم استدعى من إفريقيا حيدر الأفشين بطل برقة وسلمه قيادة الجيش وتدريبه على الطرق الجديدة التي اقتضتها الحروب الجبلية، وأمره أن يستعد للزحف على العدو، فأخذ حيدر يهيئ ما أمره به سيده وبينما هو في ذلك، إذ جاءته الأخبار أن إسحاق بن إبراهيم بن مصعب أحد قواد الخليفة المخلصين والمعروفين بالعزم وإصابة الرأى، كسر جيش بابك (1) واضطر فلوله إلى الهرب إلى بلاد الروم حيث تنصروا ودخلوا في خدمة إمبراطور القسطنطينية. إلا أن هذه الضربة لم تكن بالضربة القاضية على بابك وجيشه، لأن القسم الأكبر من عساكره كان مقيما في آذربيجان أو على الأصح في أران، حيث كان مركز الجيش العام وأركان الحرب، وعليه كان في وسع بابك أن يلم شعثه ويجمع قواه قبل أن يفاجئه الأفشين بجيوشه الجديدة، إلا أن القائد التركي لم يمهله ذلك، بل زحف عليه في 28 من جمادى الأولى (غرة تموز سنة 835) على رأس جيش كبير مؤلف من أتراك وبرابرة ومتطوعة البصرة والعراق، وأخذ يقترب من عاصمة بابك التي اعتصم بها هو وأكثر جيشه، ويسير عليه كل يوم من مدينة برزند - المدينة التي بناها في الجبال بالقرب من عاصمة بابك - الجند تلو الجند من خيالة ورجالة وكوهبانية وكلفرية وتفاطة
وهي
مضى على وصول حيدر الأفشين إلى بلاد بابك أكثر من سنتين وهو يراقب فيهما خصمه ويتتبع آثاره ويتفهم طرقه الحربية حتى أدرك سر نجاحه، ووقف على مواضع القوة والضعف منه فأخذ يواقعه على أمل أن يظفر به ويقضى عليه وقد كاد يتم له ذلك في موقعة أرشاق من عمل أران سنة 836، إلا أن بابك أفلت منه وانسحب إلى صحراء موغان ومنها إلى هشتادسر حيث انقض في العام الآتي على مقدمة جيش الأفشين التي كان يرأسها بغا الكبير، أحد القواد المشهورين ومزقها شر ممزق.
فلما بلغ الخبر أفشين، زحف بنفسه على بابك وأخذ يتعقبه حتى التقى به، فكانت بينهما موقعة انكسر فيها بابك، ثم لحق حيدر بأحد قواد المدعو طراخان فقتله وكسر جيشه. وكذلك فعل سنة 837 بأذينه قائد بابك الثانى فكانت هذه الضربة الأخيرة أعظم الضربات على بابك وأصحابه، لأنه فقد في الموقعتين الأخيرتين ميمنة جيشه وميسرته، فلم يبق عنده من العساكر إلا ما كان تحت قيادته، فاضطر أن ينسحب من ساحة الحرب، ويلجأ إلى قلعته في بذين حيث أقام عدة أشهر يدافع عن نفسه وأصحابه دفاع الأبطال، إلى أن نفدت مئونته وخارت قواه، فاضطر أن يترك عاصمته ليلا
(1) الطبرى: ج 10 ص 205.
305