الفرق الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٣٠٦ويحاول أن يدخل مختفيا بلاد الروم ليطلب مساعدة صديقه الإمبراطور ثيوفيل، فخانته الأقدار، بل خانه أحد بطارقة الأرمن سنباط بن منهل صاحب شكي الذي استأمنه بابك، فقبض عليه وعلى أخيه عبد الله ومن كان معهما من الأهل والأصدقاء وسلمهم جميعا، بعد أن أمنهم، إلى رسول الخليفة، فكان من أمرهم والتمثيل بهم ما
هو معروف
||
ذكر بعض المؤرخين (1) أنه لما انتشر خبر سقوط عاصمة بابك في أيدى المسلمين ووقوع بابك في الأسر (2) ضج الناس بالتكبير وعمهم الفرح وأظهروا السرور و صارت سكان بغداد وسامرا تتصافح في الشوارع ". فكان ذلك من أعظم الفتوح في الإسلام. ويوم قبض عليه كان عيدا للمسلمين. " فرفع المعتصم قدر الأفشين وتوجه وألبسه وشاحين منظومين بالدر والجوهر، وسوره سوارين ووصله بعشرين ألف درهم، وأمر الشعراء بمدحه وجعل صلتهم عنده " ولا غرابة في ذلك فان بابك أراد كما يقول المسعودى " أن يزيل ملكا ويقلب أمة ويبدلها "
ذكر المؤرخون أنه لما وصل بابك إلى بغداد أمر المعتصم فأنزلوه في قصر الأفشين المعروف بالمطير، ة وهناك زاره الخليفة متنكرا (3) وعرض عليه بعض أسئلة لا أظنها إلا من مختلقات المسعودى الذى هو فى تاريخه أقرب جامع نكات وحكايات منه إلى مؤرخ صادق لا تهمه إلا الحقائق الثابتة، وكأنى بالمعتصم أراد في زيارته لبابك ليلا أن يرى بعينيه ذلك الرجل الذي كاد يقضى على دولته، ويقيم على أنقاضها دولة جديدة أساسها العدل والإخاء والمساواة (4)
زار المعتصم عدوه الأكبر ثم عاد إلى قصره، حيث كان ينتظره وزراؤه وقائد جيشه العام، ليفكر معهم في شر قتلة يقتلون بها أسيرهم الضعيف الذي كان يطلق أسراهم بالألوف ويعطف على نسائهم وأولادهم، فلما جاء الصبح أخذت الناس تهرول إلى رأس الجسر ليروا " عدو الدولة والدين " مصلوبا هناك، حتى إذا جن الليل أنزلوه عن الصليب ثم قطعوه إربا إربا وأرسلوا رأسه إلى سائر البلدان، ثم جاءوا بأخيه وبعض أصحابه المقربين فقتلوهم صبرا بعد أن قتلوا عشرات الألوف في بدين بصورة تقشعر منها الأبدان، ثم لم يمض على ذلك زمن طويل حتى قبضوا على حيدر الأفشين وأودعوه السجن حيث مات مسموما لخيانة ظهرت منه
1
(1) انظر كتاب البدء والتاريخ 6: 118 ومروج الذهب للمسعودى وغيرهما. (2) كان يوم الجمعة لأربع عشرة خلت من رمضان سنة 223 (838)
(3) انظر تاريخ الطبري: 332/ 10
(4) تاريخ الحركات الفكرية فى الإسلام: بندلي جوزي.
306