الفرق الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٣١٣نسبة إلى صاحب دعوتهم ومؤسس مذهبهم مزدك. وعليه يكون بابك وأصحابه تلامذة أو أتباع مزدك ولو اختلفوا، كما سنرى، في بعض نقط طفيفة اقتضاها الزمن والوسط الاجتماعي الجديد. وقد انتبه إلى هذه الصلة المعنوية بين شيوعيي العصر السادس والعصر التاسع معاصر و بابك، وأكثر من كتب عن حركته ومبادئه من مسلمي الأعصر المتأخرة كأبي منصور البغدادى والمطهر المقدسى والغزالي وغيرهم ممن كتب في البدع الإسلامية والنحل الفلسفية
(1)
قال أبو منصور: إن الخرميين كانوا على مذهب المزدكيين. والذي يظهر لي أن ليس فقط بابك وأشياعه أخذوا مذهبهم عن إخوانهم فى الجنس والغاية أصحاب مزدك، بل سائر شيوعيي فارس و آذربيجان كالمازيارية والجاويدانية وغيرهم ممن عرفوا بأسماء زعمائهم مع اتفاقهم فى المسائل الجوهرية، مما يدل على أن آراء مزدك لم تمت بموته وموت الألوف من أشياعه الذين كانت دولة بني ساسان تتعقبهم في كل البلاد الخاضعة لها، بل بقيت حية فى صدور كثيرين من تلاميذه الذين سلموا من القتل ولجئوا إلى جبال واران مصدر الحركة المزدكية وعش الشيوعية وكل الحركات الاشتراكية (2) التي ظهرت فى إيران من يوم عرفها التاريخ، بل ملجأ المضطهدين لدينهم أو مبادئهم الاجتماعية قبل مزدك وبابك. يثبت ذلك ما ذكره صاحب معجم البلدان من أن فئة من أصحاب مزدك اختبأت بعد محنته المعروفة فى جبال آذربيجان المنيعة، حيث ظلت تحافظ على مبادئها إلى أيام بني سلجوق وخلفائهم الأقربين لأنها وجدت هناك وسطا ميالا إليها لم تلبث أن انتشرت فيه، ونمت بعيدة عن عين العدو وحريصة على مذهبها الاشتراكى حرصها على نار أجدادها المقدسة وتقاليدهم وآدابهم القديمة.
(3)
انتشار مبادئ مزدك: بقيت آراء مزدك تنتشر خفية بين سكان آذربيجان والبلاد المجاورة لها وتستميل إليها العناصر غير الراضية عن حالتها الاجتماعية كبعض طبقات الفرس والمتطرفين من الشيعيين والباطنية الذين كانوا أشد الناس بغضا وكراهة للإسلام والدولة العباسية وأسهلهم انقيادا لكل حركة كانوا يأملون منها شرا للدولة المذكورة. ولقد ساعد على حفظ هذه المبادئ ونشرها بين الشعوب المستاءة أن الحركة كانت، كما يستفاد من أقوال بعض المتأخرين، منظمة وفى أيدى أناس خبيرين بطرق الدعوة
(1) الفرق ص 268.
(2) انظر: 11،5،558. Grundriss d.iranische Philologie، B
(3) معجم البلدان: ج 2 ص 569.
313