الفرق الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٣٢٥تفرسوا فيهم الخيانة وعدم الإخلاص للدعوة كانوا يحجمون عن الكلام أو يغيرون موضوعه، ويدخلون في موضوع جديد لا علاقة له بالدعوى ولا خطر عليهم منه. وهذا لم يكن بالأمر الصعب على الداعى الخبير، لأنه لم يكن بعد أدلى إلى مخاطبه بأمور مهمة، ولا كشف له عن سر من أسرار جمعيته يكون من ورائه ضرر عليها، وذلك لأن الدعاة لم يكونوا يطرقون في أحاديثهم الأولى مع المبتدئين إلا المواضيع العامة التي كان يقصد بها التعرف بنفسية وعقلية المقبلين على الدعوة، وإثارة الرغبة فيهم إلى الدخول في دين جديد، حتى إذا دخلوه وأقاموا فيه سنين أطلعوهم بالتدريج على تعاليم جمعيتهم وغاياتها الاجتماعية والأدبية وهكذا إلى أن يبلغ المدعو الرتبة السابعة - وقليل من كان يبلغها - ويقف بنفسه على غاية الجمعية القصوى وطرق الوصول إليها
أما الدعاة أنفسهم، فلم يكونوا يبلغون إلا الدرجة الخامسة، وهي الدرجة التي كان يقف الداعي فيها على بعض أسرار الجمعية بعد أن يكون حلف الأيمان المذكورة في الرتبة الرابعة. ومن لم يكن يبلغ هذه الدرجة كان يبقى عضوا بسيطا مطيعا مربوطا بإرادة غيره، وبالأخص بإرادة إمام الزمان الذى هو أعرف الناس بغايات الجمعية
وأسرارها وأقدرهم على استخدام هؤلاء البسطاء
يستفاد من أقوال بعض المؤرخين أن أعضاء الجمعية الإسماعيلية الذين بلغوا الدرجة الرابعة فقط، ولم يقسموا بعد الأيمان المطلوبة منهم، لم يكونوا يعرفون من بروجرام الجمعية إلا مبادئها الدينية والأدبية، أما تعاليمها السياسية والاجتماعية فلم يكن يكشف لهم عنها إلا بعد الدرجة الرابعة وتأدية القسم المعلوم.
وذلك ليس فقط في كتب المتقدمين، بل في كتب معاصريهم من مسلمين ومسيحيين. فمنهم من زج الإسماعيلية بين الماديين، ومنهم من حسبهم زنادقة يقولون بأزلية العالم ويكفرون بالشرائع والأنبياء، ومنهم من كان يحشرهم بين أصحاب زرادشت والمجوس الذين كانوا لا يزالون يحلمون بإحياء دين الفرس القديم، ومنهم أخيرا من كان ينسبهم إلى السبئيين أو أصحاب الفلسفة اليونانية القديمة على اختلاف نحلها وطرقها.
خذ مثالا على ذلك رسالة تعزى (1) إلى بعض الإسماعيلية، تجد فيها من التهم القبيحة والأقوال الفظيعة الموجهة إلى الإسماعيلية، فقد جاء عنهم في تلك الرسالة أنهم (1) انظر مقالة المستشرق MASSIGNON في دائرة المعارف الإسلامية ع 30 ص 816.
325