الفرق الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٣٢٧' (1)
والذى يصح عندى من دين الباطنية أنهم دهرية زنادقة، يقولون بقدم العالم وينكرون الرسل والشرائع كلها لميلهم إلى استباحة كل ما يميل إليه الطبع إنهم كانوا يؤولون الشرائع الدينية وشعائرها تأويلاً باطنيا - ومنه عرفوا بالباطنية - يخالف ظواهرها، ولكن لا يخالف العقل السليم، وإنهم أخذوا تأويلهم هذا عن فلاسفة اليونان وخصوصا الأفلاطونيين الأحداث. فكان من نتائج هذا التأويل أنهم قضوا على الشرائع المنزلة، وبذلك رفعوا شأن إمام الزمان) وحصروا السلطة في يديه.
منهجهم التأويل الباطني: وجاء في رسالة (2) لهم محفوظة إلى اليوم ما معناه: «أن القول بالبحث مهزأة، لأن المراد من قولنا " الحياة الخالدة» و «خلود النفس» هو رجوع النفس إلى مصدرها الأصلي .. وعلى هذه الطريقة أولوا عقيدة الدينونة في اليوم الآخر وغيرها من العقائد الدينية الأساسية، وقالوا إن المؤمن الحقيقي هو من يؤول الوحي الإلهى على طريقتهم، وأما من يتبع الشرائع المنزلة وأحكامها على ظواهرها فليس هو
(3)
إلا كافرا وحمارا فأنت ترى من هذا أن الإسماعيلية كانوا يكرهون التفسير الظاهري، وكانوا يحاولون أن يؤولوا أيات الشرائع وأحكامها تأويلاً باطنيا مبنيا على العقل (ratio) فقط. فهم إذن أول بدعة في الإسلام يجوز أن تطلق على أصحابها اسم (العقليين) أو أهل العقل، (rationalists) بمعنى هذه الكلمة العصرى، فالفرق بينهم وبين المعتزلة أن الإسماعيلية كانوا يؤولون الديانات وأحكامها وشعائرها تأويلا يؤدى إلى نفيها، على حين أن المعتزلة كانوا يحاولون أن يوفقوا بين الدين والعقل بدون أن يضحوا
أحدهما للآخر
(4)
مراتب العقول: إن هذا المذهب الجديد الذي أراد الإسماعيلية أن ينشروه بين المسلمين وغير المسلمين ليس هو إلا إحدى نتائج تعليمهم الأساسي عن الدين ومكانه
(1) الفرق: 278
(2) انظر تأليف de Goeje . ص. (3) انظر تأليف de Goeje . ص 171 (4) تاريخ الحركات الفكرية في الإسلام.
327