الفرق الإسلامية وحق الأمة السياسي محمد إبراهيم الفيومي

الفرق الإسلامية

الجزء ١ · صفحة ٣٢٩

لأن الغرض الذي يرمون إليه ويسعون إلى تحقيقه ليس بغرض قومى، ولأن الأوهام القومية التي كانت تمزق فى تلك الأعصر جسم الدولة العباسية لا تتفق مع مبادئهم الفلسفية. فهم والشعوبية من هذا القبيل على طرفي نقيض بل ربما كان ظهورهم رد فعل ضد الشعوبية فإذا جاز أن نسمى الشعوبية حزب العصبية القومية (chauvinistes)

المتطرف كانت الإسماعيلية حزب اللاقومية أو الأصح البينقومية international. على أنه لا يجب أن يفهم من كلامنا هذا أن الإسماعيلية كانوا أعداء الشعوبيه او ظهروا المقاومتهم فقط. كلا! لأن كلا من هذين الحزبين كان مستقلا عن الثاني، يرمى إلى غايات متباينة، كان يتخذ للوصول إليها أساليب ووسائط مختلفة. بل يجوز أن يقال إنهما تلاقيا في طريقهما التي قطعاها، مستقلين وسارا زمنا معلوما جنبا إلى جنب بدون أن يتصادما أو يقتتلا، ولو اختلفت مبادئهما. وما ذلك إلا لأنه كانت هناك نقطة تجمع بينهما، وهى بغضهما للدولة الحاكمة والعصبية العربية. وهذا ما لاحظه وأشار

إليه أبو منصور بقوله: (إن الشعوبية كانت تدخل في دين الإسماعيلية وتؤيده» (1) يقول بندلى: وهنا يجدر بنا أن نستلفت نظر القارئ مرة أخرى إلى أن دعاة الإسماعيلية كانوا ينشرون دعوتهم بين جميع الأم الخاضعة للدولة العباسية، وبين جميع الأحزاب والنحل الدينية، لا يفرقون بين دين ودين أو حزب وحزب، غرضهم الأكبر كان أن يدخلوا فى جمعيتهم عقلاء الناس ولهذا كنت ترى بينهم ممثلى جميع الأمم والطبقات والأديان والآراء المتباينة المتضادة.

لأن

ازدهرت الإسماعيلية ثلاثة أعصر وأدت في آخر الأمر إلى بناء دولة ضخمة في مصر وشمالي إفريقيا وأبقت من الآثار ما خلد اسمها ثم خلفت من الجماعات كالحشاشين والقرامطة والدروز وغيرهم من لا يزال أكثرهم حيا عاملاً إلى هذا اليوم (2).

ولو أردنا أن نبحث بالتدقيق عن تأثير الأفكار الإسماعيلية في الآداب والفلسفة الإسلامية وحياة المجتمع الإسلامي، نكتفى بالإشارة إلى أن الأفكار التي بثها دعاة الإسماعيلية بين طبقات المسلمين وغير المسلمين كان من شأنها أن قلبت حياتهم رأسا على عقب، وأحدثت بينهم من التغيير ما لا تزال آثاره باقية إلى هذا اليوم.

(1) الفرق: 285

(2) تاريخ الحركات الفكرية في الإسلام.

339