الفرق الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٣٣٠(1)
فالفلسفة مديونة لهم برسائل " إخوان الصفا)، وهى أول دائرة للعلوم والمعارف ظهرت في العالم. وقد حاولوا أن يبثوا فيها مبادئهم العلمية ونظرهم الخاص إلى الطبيعة والإنسان، وينشروا فيها آراء فلاسفة اليونان الذين كانوا في نظرهم من درجة الأنبياء أو أعلى. فمهدوا بذلك السبيل لفلاسفة الإسلام كالفارابي وابن سينا وغيرهم، إذ لا شك في أن كثيرا من نظريات هؤلاء الفلاسفة وأفكارهم السامية مأخوذ عن كتب الإسماعيلية. نذكر من ذلك نظرية الفلاسفة المذكورين إلى ما يعرف بالاستعداد للنبوة أو بعبارة أخرى بالإمام الكامل) أو (الحكيم الكامل)، فإنها ولا شك من بنات أفكار الإسماعيلية. ومثلها النظريات المبتكرة التي نجدها في رواية حي بن يقظان لابن طفيل. ثم إن لهم أثارا بيئة عميقة في علم التفسير حيث ساعدوا على نشر مبدا التأويل، وفى فلسفة التصوف حيث شعر بتأثيرهم في كتب ابن عربي والغزالي والحلاج وغيرهم ناهيك عن متصوفى الفرس الذين كانوا ولا يزالون أكثر ميلاً إلى المبادئ الإسماعيلية من إخوانهم العرب. وأهم من ذلك في نظري أن الحركة الإسماعيلية مهدت السبيل لنشر الأفكار الحرة فى العالم الإسلامي، وجرأت الناس على المجاهرة بها بعد أن كانوا يخافون من البحث فى ما هو أقل منها خطرا، ولولا ذلك لما تجاسر ابن عربي أن يقول:
لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبى *** إذا لم يكن ديني إلى دينه داني (إلخ)
(5) النتائج:
تكتم الإسماعيلية وإخفاؤهم عن الناس أسرارهم، واختلاف عناصرهم ونزعاتهم، وأن دعاتهم كانوا يراعون في أقوالهم درجة سامعيهم العقلية والأدبية وعلاقتهم بالدين عامة وبالإسلام خاصة، وينظرون إلى قومياتهم وأميالهم السياسية والاشتراكية فكانوا يخاطبون كلا منهم بلسانه وبما يوافق أمياله وعواطفه ودرجة نموه العقلى، فربما كانوا يخاطبون الفارسي بغير ما كانوا يخاطبون به العربي، ويصطادون المسلم بخلاف ما كانوا يصطادون به غير المسلم، ويكاشفون الفلاسفة وأهل العلم والطبقة الراقية من الناس بغير ما كانوا يدعون به الطبقة السفلى وهلم جرا. مما ينتج عنه أنه كان للإسماعيلية برنامجان (أعلى وأدنى ((maximum et minimum). وحبذا أيضا لو اهتم علماؤنا بالبحث عن تأثير آرائها أن نذكر تاريخ الجماعات التي ولدتها الحركة الإسماعيلية كالفاطميين والحشاشين والقرامطة والإسماعيلية المتفرقة
(1) انظر مقالة Massignon عن القرامطة في دائرة المعارف الإسلامية.
330