الفرق الإسلامية وحق الأمة السياسي محمد إبراهيم الفيومي

الفرق الإسلامية

الجزء ١ · صفحة ٣٦

ولم تكن فكرة وراثة النبوة موجودة إلا فيما بعد عند الشيعة التي كانت تقول بانتقال النور الإلهى إلى أولاد النبى من بعده، وانتقلت وراثة النبوة من مجالها النظري إلى أصل من أصول الاعتقاد لدى الشيعة وحين قام عمر بمبايعة أبى بكر، تدافع الناس من بعده يشهدون له ويشدون على يده بالمبايعة ليكون خليفة لرسول الله وكان أهم ما قاله في خطبته بعد أن صعد المنبر، والصحابة مازالوا ماكثين في المسجد: رفض الإشارة إلى مقولة الأنصار: " منا أمير ومنكم أمير ". ولم يكن رفضه يحمل معنى التسلط والعنجهية الكاذبة، إنما كان تذكيرا لأسس بناء المجتمع الإسلامى التى أرساها الرسول صلى الله عليه وسلم.

(3) أبو بكر يقر حق الأمة وسلطتها في الحكم:

قال في خطبته بعد أن حمد الله وأثنى عليه: " أيها الناس إلى وليت عليكم ولست بخيركم، فإن كنت على حق فأعينوني، وإن كنت على باطل فقوموني. . . وقد استخلف الله عليكم خليفة ليجمع به الفتكم، ويقيم به كلمتكم، فأعينوني على ذلك بخير. واسم الله ما حرصت عليها ليلا ونهارا، ولا سألتها الله قط في سر ولا علانية. ولقد قلدت أمرا عظيما مالي به طاقة ولا بد .. فأطيعوني ما أطعت الله فيكم فإذا عصيت فلا طاعة لى عليكم. . وما أنا إلا كأحدكم، فإذا رأيتموني قد استقمت فاتبعوني، وإن زغت فقوموني ". ثم نزل (1)

تلك

الخطبة الأولى لأبى بكر، خليفة المسلمين الأول، بعد توليه مقاليد هي الخلافة، لم تعلن عن حق مزعوم في الخلافة، أو أنه ظل الله على الأرض، أو أنها حكر على قبيلة معينة أو أسرة لها مظاهر التقديس. . إنما الأمر في شأنها شورى بين المسلمين، وأن الأمة لها حق اختياره وانتخابه، ولها حق المتابعة والتنبيه، " وما أنا إلا كأحدكم ". وبناء على هذا الاختيار، تقررت أركان النظرية السياسية في الإسلام، سبق الإسلام إليها، لم تكن معروفة - قبل لدى الإمبراطورية الرومانية أو الامبراطورية الفارسية. فهما معا يشتركان فى التميز الأسرى، وقدسية الإمبراطور، وأنه ظل الله على الأرض، وتوارث الحكم في أسرة مقدسة لها تميزها وشرفها وسؤددها.

وما تميزت به خطبة أبي بكر، كأول خطبة لأول خليفة، أنه وضع فيها ملامح

(1) الإمامة والسياسة: ص 22. محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، تحقيق طه الزيني

36