الفرق الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٣٥١التعاليم المادية، فنشط إلى إدماجها في مذهب خاص، ونظم طائفة الباطنية) جمعية سرية هائلة ذات مراتب سبع وصف العلامة دوزى برنامجه المدهش في هذه النبذة القوية:
أن
يدمج المغلوبين والغالبين في هيئة واحدة، وأن يجمع في حظيرة جمعية سرية هائلة ذات مراتب عدة بين أحرار المفكرين - الذين لا يرون في الدين سوى وسيلة لسيادة الشعب - وبين الغلاة من جميع الطوائف، وأن يجعل من المؤمنين آلات صماء تمد المتشككين بالقوة، وأن يحمل الظافرين على قلب الدول التي شادوها، وأن ينشئ حزباً كبيراً مؤتلفا منظما يرفع فى الوقت المناسب - إن لم يكن هو - فعلى الأقل أبناءه إلى العرش. . . هكذا كانت غاية عبد الله بن ميمون، وهى فكرة عجيبة نفذها بحذق مدهش، وبراعة نادرة، وخبرة عميقة بأسرار القلب البشرى. وكانت الوسائل التي اختطها غاية فى الخبث والدهاء.
ولم يبحث ابن ميمون عن أنصاره الحقيقيين بين الشيعة الخلص، ولكن بين الثنوية (2) والوثنيين وطلاب الفلسفة اليونانية، ولم يكن يعتمد إلا على الطائفة الأخيرة، وإليهم وحدهم استطاع أن يفضى بسره وخفى عقيدته، وهي أن الأئمة والأديان والأخلاق ليست إلا ضلالا وسخرية، وأن باقى البشر – أو الحمر يسميهم - ليسوا أهلا لفهم هذه التعاليم. غير أنه تحقيقا لغايته، لم يكن يمقت مؤازرتهم بل كان يلتمسها، ويحذر في نفس الوقت من أن يضم الأنفس المخلصة الخانعة إلا إلى المرتبة الأولى من طائفته. وكان دعاته الذين علموا أن أول ما يجب عليهم هو إخفاء حقيقة عواطفهم واعتناق آراء سامعيهم، يظهرون فى أثواب مختلفة، ويحادثون كل طبقة باللغة التي تروق لها، يغنمون العامة والبسطاء بأعمال الشعوذة فيعتبرونها معجزات، أو يثيرون طلعتهم بالألغاز والأحاديث الخفية، ويتحجبون أمام المخلصين بقناع الزهد والفضيلة، ويتظاهرون أمام الصوفية بأنهم صوفية، ويكشفون عما خفي من معانى الغيب أو يشرحون الأساطير ومجازاتها.
(1) قدمنا أن الإسماعيلية يسمون أيضا بالباطنية لقولهم بالإمام المستور والباطن. وقيل سموا كذلك لقولهم بباطن القرآن دون ظاهره إذ يزعمون أن للقرآن ظاهرا هو الألفاظ وباطنا هو المعانى الخفية. وقيل لأنهم كانوا يلقون تعاليمهم سرا ويكتمونها عن العامة. تاريخ الحركات الفكرية في الإسلام: ج 1. (2) أصحاب مذهب فلسفى دينى يقول بأن كل كائن مركب من عنصرين هما الخير والشر أو النور والظلام.
351