الفرق الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٣٥٦بالتدريج إلى هدم كل المعتقدات الدينية من الأساس، وإلى خلق حالة من الفوضى العقلية لا الفوضى المادية، لأن العنف دائما يستثير العنف، ولكن القرامطة عجلوا الانفجار قبل أوانه، وحولوا الطائفة السرية الهائلة قبل أن ينضج تنظيمها، وقبل أن تجتاح تعاليمها مجتمعا عظيما، إلى جماعة صغيرة من الخوارج ممن دفعتهم خيبة الأمل أو استهواهم أمل النهوض والكسب إلى اعتناق المبادئ الجديدة، وجعلوا منها حركة محلية قبل أن تصبح حركة شاملة
وكان عمادهم في الحروب عصابات جريئة من بدو شجعان مخاطرين، يصبرون في تقشفهم وقناعتهم على مكاره الحروب أكثر مما يطيقه جند المدن الذين ذاقوا لذة الدعة والرخاء. لذلك، كانت ثورة القرامطة خطرا عظيما على الدولة العباسية، استغرق الجم من جهودها وأموالها، في وقت اشتد فيه ساعد الدولة البيزنطية وأرهقتها بالغزو والحملات الناهبة، بل ليس من المبالغة أن نقول إن انفجار القرامطة كان من أهم الأسباب التي مهدت إلى سقوط الدولة العباسية
وقد كانت هذه الدولة الغريبة التي تتسم بسمة الإسلام دولة ثورية هدامة، خارجة على سائر الأمة الإسلامية، وقائمة على أصول وتعاليم تنكرها تعاليم الإسلام الصحيحة السياسية والاجتماعية، فضلا عن الدينية. كانت كما رأينا دولة شيوعية، تقوم على شيوع الثروات الطبيعية والمكتسبة، ولا تحترم مبدأ الملكية الشخصية، الذي يعتبر قاعدة أساسية في تكوين المجتمع الإسلامي الاقتصادي، والذي تحيطه الشريعة الإسلامية بضمانات قوية. بل لقد ذهب القرامطة في تطبيق مبدا الشيوع إلى حد الإباحة المروعة، فأباحوا شيوع النساء. وكانت المرأة عنصرا بارزا في مجتمع القرامطة، يسمح لها بالانتظام في سلك الدعوة والتدرج في مراتبها. وكان الدعاة من المراتب العليا يطبقون هذا النوع من الشيوع الممقوت بطريقة منظمة، وكانوا يعتبرونه نوعا من الكمال الذي يقوم على أقصى درجات الصداقة والإخاء والتسامح. ويروى لنا ابن الأثير عن زعيم القرامطة أبي سعيد الجنابى حادثا من هذا النوع، يؤيد انحدار القرامطة إلى هذه الفوضى الأخلاقية المروعة التى كانت عنوان مذهبهم. (1) وقد كان من الطبيعي أن تقترن هذه الإباحة المغرقة بإلغاء أحكام الإسلام الأساسية من الصلاة والصوم وسائر الفرائض الأخرى
(1) ابن الأثير (مصر) ج 7 ص 163. وراجع أيضا الفرق بين الفرق ص 281.
356