الفرق الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٣٧١بدعتهم
فأما التفرس، فإنهم قالوا: من شرط الداعي إلى بدعتهم أن يكون قويا على التلبيس، وعارفا بوجوه تأويل الظواهر ليردها إلى الباطن، ويكون مع ذلك مميزا بين من يطمع فيه وفى إغرائه وبين من لا مطمع فيه، ولهذا قالوا في وصاياهم للدعاة إلى: لا تتكلموا في بيت فيه سراج، يعنون بالسراج من يعرف علم الكلام ووجوه النظر والمقاييس. وقالوا أيضا لدعاتهم: لا تطرحوا بذركم في أرض سبخة،، وأرادوا بذلك منع دعاتهم من إظهار بدعتهم عند من لا تؤثر فيهم بدعتهم كما لا يؤثر البذر في الأرض السبخة شيئا. وسموا قلوب أتباعهم الأغتام أرضا زاكية لأنها تقبل بدعتهم وهذا المثل بالعكس أولى، وذلك أن القلوب الزاكية هي القابلة للدين القويم، والصراط المستقيم، وهي التي لا تصدأ بشبه أهل الضلال، كالذهب الإبريز الذي لا يصدأ في الماء، ولا يبلى فى التراب، ولا ينقص في النار، والأرض السبخة كقلوب الباطنية وسائر الزنادقة الذين لا يزجرهم عقل، ولا يردعهم شرع، فهم أرجاس أنجاس أموات غير أحياء، إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا) (1). قد قسم الحظ في الرزق من قسم رزق الخنازير فى مراعيها، وأباح طعمة العنب في براريها لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون) (2)
وقالوا أيضا: من شرط الداعى إلى مذهبهم أن يكون عارفا بالوجوه التي تدعى بها الأصناف، فليست دعوة الأصناف من وجه، واحد بل لكل صنف من الناس وجه يدعى منه إلى مذهب الباطن
،
فمن رآه الداعى مائلا إلى العبادات حمله على الزهد والعبادة، ثم سأله عن معاني العبادات وعلل الفرائض، وشككه فيها
و من رآه ذا مجون وخلاعة قال له: العبادة بله وحماقة، وإنما الفطنة في نيل اللذات، وتمثل له بقول الشاعر:
من راقب الناس مات هما *** وفاز باللذة الجسور
و من رآه شاكا في دينه أو فى المعاد والثواب والعقاب، صرح له بنفى ذلك، وحمله على استباحة المحرمات، واستروح معه إلى قول الشاعر الماجن:
(1) من الآية 44 من سورة الفرقان.
(2) من الآية 23 من سورة الأنبياء.
371