الفرق الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٣٧٤وأخذنا منهم ميثاقا غليظا) (1) وذكروا له قوله: (ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون) (2)، فإذا حلف الغر لهم بالأيمان المغلظة وبالطلاق والعتق وتسبيل الأموال فقد ربطوه، بها، وذكروا له من تأويل الظواهر ما يؤدى إلى رفعها بزعمهم. فإن قبل الأحمق ذلك منهم دخل في دين الزنادقة باطنا واستتر بالإسلام ظاهرا، وإن نفر الحالف عن اعتقاد تأويلات الباطنية الزنادقة كتمها عليهم لأنه حلف لهم على كتمان ما أظهروه له من أسرارهم. وإذا قبلها منهم فقد حلقوه وسلخوه عن دين الإسلام، وقالوا له حينئذ: إن الظاهر كالقشر والباطن كاللب، واللب خير من القشر.
قال عبد القاهر: حكى لي بعض من كان في دعوة الباطنية ثم وفقه الله تعالى لرشده و هداه إلى حل أيمانهم أنهم لما وثقوا منه بإيمانه قالوا له: إن المسمين بالأنبياء كنوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وكل من ادعى النبوة كانوا أصحاب نواميس ومخاريق أحبوا الزعامة على العامة، فخدعوهم بنير نجات واستعبدوهم بشرائعهم. قال هذا الحاكى لى: ثم ناقض الذى كشف لى هذا السر بأن قال له: ينبغي أن تعلم أن محمد بن إسماعيل بن جعفر هو الذي نادى موسى بن عمران من الشجرة فقال له: إنى أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالوادى المقدس طُوًى). (3) قال: فقلت: سخنت عينك! تدعوني إلى الكفر بالرب القديم الخالق للعالم، ثم تدعوني مع ذلك إلى الإقرار بربوبية إنسان مخلوق، وتزعم أنه كان قبل ولادته إلاها مرسلا لموسى؟! فإن كان موسى عندك ممخرقا فالذي زعمت أنه أرسله أكذب. فقال لي: إنك لا تفلح أبدا
وندم على إفشاء أسراره إلى، وتبت من بدعتهم.
فهذا بيان وجه حيلهم على أتباعهم، وأما إيمانهم فإن داعيهم يقول للحالف: جعلت على نفسك عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسله وما أخذ الله تعالى على النبيين من عهد وميثاق أنك تستر ما تسمعه مني، وما تعلمه من أمرى، ومن أمر الإمام الذي هو صاحب زمانك، وأمر أشياعه وأتباعه فى هذا البلد وفي سائر البلدان، وأمر المطيعين له من الذكور والإناث، فلا تظهر من ذلك قليلا ولا كثيرا، ولا تظهر شيئا يدل عليه من كتابة أو إشارة إلا ما أذن لك فيه الإمام صاحب الزمان، أو أذن لك في إظهاره المأذون له في دعوته، فتعمل في ذلك حينئذ بمقدار ما يؤذن لك فيه. وقد
(1) من الآية 7 من سورة الأحزاب. (2) من الآية 41 من سورة النحل. (3) من الآية 12 من سورة طه.
374