الفرق الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٣٨٩(3) دعاة العباسيين من العرب والعجم:
في كل هذه الروايات نجد أن الكوفة مهد دعوة العباسيين ومركزها. ففى الكوفة كان نواب الإمام الغائب وخلفاؤه، وهم ميسرة وابن ماهان وأبو سلمة، وكان بالكوفة أيضا عدتهم وأعوانهم، وكلهم موال ومن أمة الأعاجم، ومهنتهم التجارة والصناعة.
ولا شك أنه قد كان هناك عرب فى شيعة بني العباس، لكنهم لم تكن لهم الرياسة. وكانت الدعوة تنشر فى خراسان، أعنى فى مرو آتية من الكوفة. وبعد سنة 100 هـ بزمان طويل كان الدعاة هناك من أهل الكوفة خاصة، وكانوا تجارا غرباء. وكانت مبادئ الدعوة غير ظاهرة، وكاد يقضي عليها في مهدها. وكان أول من نجح في الدعوة خداش، وأول ما نجد ذكره في سنة 109 هـ. وينبغي أن يشك الإنسان في أنه في ذلك الوقت كان قد بدأ يقوم بالدعوة فعلا، ولكن من البعيد عن الحقيقة أيضا أن يكون إنما قدم من الكوفة إلى خراسان فى سنة 118 هـ، وهى السنة التي قتل فيها. وقد تدفق إليه أهل مرو كالسيل، وقبلوا كلامه واتبعوه، فالظاهر أنه هو المؤسس الحقيقي الشيعة بني العباس في مرو. ويظهر أيضا أنه هو الذي نظمهم. فلا عجب إذن أن نسمع في سنة 117 هـ، لأول مرة، أخبار الدعاة النقباء من أهل خراسان، وهم الذين كان محمد بن على بن العباس نفسه قد اختارهم في سنة 100 هـ، كما نسمع أن هؤلاء الدعاة النقباء صاروا أكثر تعلقا بخداش منهم بمحمد بن على نفسه
•
وعلى حين كان سواد شيعة بني العباس فى مرو من الموالى، كان الدعاة الأولون عربا. ويذكر الطبري (1) (1) ستة منهم، وكان أكبرهم، وهو الذي صار رئيسهم بعد موت خداش، سليمان بن كثير. وكان سليمان من خزاعة قرى واحة مرو، وقد كان فيهم وفيمن كان معهم من الأكارين الأعاجم طائفة كبيرة جدا تؤيد دعوة شيعة العباسيين. وكان يربط بين خزاعة وبين آل بيت النبي عليه السلام حلف قديم، هذا إلى أنهم كانوا ينتسبون إلى الأزد، وكان الأزد منذ سقوط المهالبة يقفون على الدوام تقريبا في صفوف الحزب المعارض الحكومة بني أمية، فكانوا أقرب للتأثر بالثورة على هذه الحكومة من قبائل مضر. على أنه كان من بين الدعاة الستة الذين أخذهم أسد في سنة 117 هـ ثلاثة من خزاعة وواحد من بكر واثنان من تميم وعلى هذا لا يصح أن يعلق الإنسان كبير شأن على الفوارق بين القبائل. وكان هؤلاء الشيعة، ومن بينهم العرب أيضا، يعارضون روح القومية العربية، وكانوا يرون
(1) الطبرى: ج 2 ص 1586.
+
389