الفرق الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٣٩٠أن الإسلام، لا العروبة، هو الذي يجعل للإنسان حقوق المواطن في الدولة، ولم يكن الموالي أيضا يحرمون من أن يكون لهم مكان الزعامة فى الحزب، ونجد من بين الدعاة الاثنى عشر الذين يذكرهم الطبرى (1)، أربعة من الموالى إلى جانب ثمانية من العرب.
ولكن محمد بن على لم يتنكر لخداش إلا بعد موت خداش، وهو لم يتنكر له قبل ذلك، فقيل عنه إنه الخارج المضل الذي بذر بذور الفساد في الدعوة، وحمل الشيعة والدعاة على غير منهاج الإمام، كأنما كان خداش قد وجد حزب الشيعة أمامه، وكأنما كان قد وجده منظما قبل أن يدخل هو فيه. وقيل أيضا إن الخميرة أو الطعم الذي رمى به بين مبادئ الحزب هو مذهب الخرمية. ولا شك أن الحزب الذي نشر مبادئه خداش وتزعمه كان هو حزب الهاشمية، أما الخرمية فلم تكن حزبا، بل كانت نزعة إباحية
عامة.
•
وكان الخرمية، كما يزعمون، لا يرضون عما في الإسلام من نزعة يهودية، أعنى أنهم كانوا يعترضون على روح التطهر والتشدد الحزينة فى ذلك، فكانوا يريدون أن يجعلوا للطبيعة وللمرح مكانهما في الدين. وهم في ذلك يصلون مذهبهم بالديانة الوثنية التي كانت في بلادهم العجم من قبل، ويجوز أنهم كانوا إلى جانب ذلك متأثرين بمبادئ اجتماعية كانت تلائم ما يطمح إليه الموالى أحسن ملاءمة. ويروى أن الخرمية والراوندية قد جددوا الدعوة إلى شيوعية النساء، وهي الشيوعية التي كان مزدك قد دعا إليها من قبل وعلى هذا، فإن مما يمكن تصديقه كل التصديق أن يكون خداش لم يحارب هذا الاتجاه الشيوعى، بل أن يكون قد أيده واستفاد منه. غير أنه يجب على الإنسان أن يستبعد القول بأن يكون ذلك بمثابة حجر العثرة الذى من أجله نفر العباسيون من خداش، لأن العباسيين فى ذلك الوقت جمعوا الزنادقة حولهم، وهم لم ينبذوهم إلا فيما بعد، ولم يظهروا بمظهر المتمسكين بمذهب الجماعة وأهل السنّة إلا بعد أن وصلوا إلى غايتهم، أما في أول أمر، دعوتهم، فإنهم كانوا يحاولون أن يستغلوا كل معارضة من جانب فرق الشيعة لحكومة بني أمية، أيا كان لون مذهب هؤلاء الشيعة
وكانت الغاية الأولى للعباسيين هى الناحية السلبية، أعنى إسقاط حكومة الأمويين، فأما الناحية الإيجابية، وهى التغلب على الخلافة، فقد جعلوها في المحل الثاني. وهم لم يكونوا في الجملة يظهرون أمام أتباعهم بأنهم طلاب خلافة بقدر ما
(1) الطبري: ج 2 ص 1358.
390