الفرق الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٣٩٥ذلك
يأهل الكوفة! أنتم محل محبتنا ومنزل مودتنا. أنتم الذين لم تتغيروا عن ولم يتنكم عن ذلك تحامل أهل الجور عليكم، حتى أدركتم زماننا وأتاكم الله بدولتنا، فأنتم أسعد الناس بنا وأكرمهم علينا "
وخاطبهم داود بن على قائلا: " يأهل الكوفة! إنا والله مازلنا مظلومين مقهورين على حقنا، حتى أتاح الله لنا شيعتنا أهل خراسان، فأحيا بهم حقنا، وأفلج بهم حجتنا، وأظهر بهم دولتنا، وأراكم الله ما كنتم به تنتظرون، وإليه تتشوفون، فأظهر فيكم الخليفة من هاشم وبيض بهم وجوهكم، وأدالكم على أهل الشام، ونقل إليكم السلطان وعز الإسلام، ومن عليكم بإمام منحه العدالة، وأعطاه حسن الإيالة فخذوا ما آتاكم الله بشكر والزموا طاعتنا، ولا تخدعوا عن أنفسكم، فإن الأمر أمركم، وإن لكل أهل بيت مصرا، وإنكم مصرنا "
وهكذا نجد بنى العباس يقولون إن شيعتهم من أهل خراسان، وهم إذ قضوا على سلطان بني أمية حرروا أهل العراق أيضا من نير أهل الشام. وهكذا أيضا انتهى الصراع الذي دام بين أهل العراق وبين أهل الشام قرابة قرن، دون أن يصل إلى نتيجة، بنصر أهل العراق. وعاد مقر الخلافة إلى الكوفة التي كانت مقر على بن أبي طالب من قبل والعبارة البارزة في خطبة داود بن على هى قوله لأهل الكوفة: " إن لكل أهل بيت مصرا، وإنكم مصرنا ". وكان لابد من ذلك بطبيعة الحال لإرضاء شعور أهل الكوفة، ولكن محور الثقل فى الدولة الإسلامية قد انتقل بالفعل من دمشق إلى الكوفة والعراق، وكان ذلك حادثا له شأن حاسم.
على أن أبا العباس لم يكن عظيم الثقة بأهل الكوفة، فلم يجعل مقامه في مدينتهم، بل أقام في حمام أعين، بين أهل خراسان. وبعد حين من الزمان، انتقل إلى الحيرة، ثم انتقل منها إلى الهاشمية، وذلك، فيما يذكره، لكى يبعد بنفسه عن أبي سلمة. وكان أبو سلمة يقيم في حمام أعين، وظل ما بين الإمام وبين أبي سلمة متباعدا. فكان أبو سلمة يميل إلى العلويين، وكان يجاهر بذلك حتى ثبتت الريبة به، وثبت أنه لم يكن في ذلك وحده، وخصوصا أن أزمة قيادة حزب الشيعة كانت فى يده حتى ذلك الحين. ولم يجرؤ الخليفة على أن ينفرد بمؤاخذته، وذلك أن الخليفة لم تكن له قوة، وكان في الواقع من صنع القوم الذين كان فى الظاهر يستخدمهم فى الوصول إلى غاياته - كان من صنع أهل خراسان، صناع الملوك. وكان هؤلاء الخراسانيون، إلى جانب ذلك يعلمون حق العلم ضعف السند الشرعى الخلافته. فكان الخليفة مفتقرا كل الافتقار إلى حسن نوايا قوم آخرين، كان لهم من النفوذ والقوة أكثر مما كان له، فأرسل
395