الفرق الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٣٩٧العرب، تراجعت العروبة إلى الميدان المدنى المسالم، وصارت حضارة عالمية يشترك فيها كل المسلمين - وكان أساس تلك الحضارة هو الدين
ولكن دين العرب لم ينهدم بانهيار الأمة العربية، بل هو ازداد قوة، وظلت اللغة العربية لغة الإسلام، وابتلعت لغات أهم الأمم النصرانية في آسيا القريبة وإفريقية. وإلى جانب ذلك، رسخت قدمها بين الكتاب والعلماء من أهل إيران، أما شعرهم فقد ظل باللغة الإيرانية وبلغ بها مكانة رفيعة.
بل قد رجح شأن الموالى على شأن العرب، لا بوجه عام بطبيعة الحال بل من بعض الوجوه. وكان أهل خراسان قد أعانوا العباسيين على النصر، فقاسموهم الغنيمة، وصاروا من وجه ما، هم الورثة لسلطان أهل الشام، وإن كان موقفهم من رئاسة الدولة موقفا غير موقف أولئك. فكانوا يسمون الشيعة والأنصار، أو أبناء الدولة (1). وكانت في يدهم القوة الظاهرة. وكانوا منظمين تنظيما حربيا، وكانت في أيديهم مناصب القيادة، واستطاع قوادهم أن يظهروا بمظهر السادة الكبراء. وكان يتألف منهم الجيش المرابط حول الخليفة، وكان الخليفة يقيم بين حرسه هذا
هذا، ولم يكن ابتناء بغداد في الحقيقة لكي تكون حاضرة عالمية، بل لتكون معسكرا لجند خراسان. وقد أراد الخليفة أن يقيم في هذا المعسكر بعيدا عن الكوفة. ولكن أهل خراسان كانوا، وهم في معسكرهم، على صلة بوطنهم، ثم صار رجحان شأنهم، من حيث هم حزب وجيش فى خدمة بني العباس، رجحانا لأمتهم وبلادهم، أي أن الكفة الراجحة صارت لبلاد العجم الشرقية، وانتصرت العجمة الإيرانية (- Ram smus على العروبة، تحت ستار الإسلام، لا باعتباره دينا للعرب بل دينا للأمم وقد تغيرت بتغير الأسرة الحاكمة الداخلية أيضا. أما أن النفوذ الفارسي كان هو الراجح في ذلك فهو غير مؤكد، فأما الذى لا شك فيه فهو أن نظام الحكم الداخلى لم يصبح عربيا على الإطلاق. وكان العرب بحكم أنهم الأمة الفاتحة، قد أصبحوا طبقة أرستقراطية حاكمة، وكانت شبكة القبائل بما كان بينها من أنساب تمتد في الظاهر على البلاد التي تكونت منها دولة العرب. وظل هذا النظام القديم موجودا في خطوطه الكبرى أيام الأمويين، وإن كان قد تبين بعد قليل أنه نظام لا يمكن الاحتفاظ به في أيام بنى العباس، فقد زال هذا النظام بزوال ما كان يستند إليه من فوارق بين الطبقات، ولم يكن بنو العباس، كما كان الأمويون قبلهم، يقفون على رأس طبقة أرستقراطية واسعة
(1) قارن إنجيل متى، الإصحاح السابع عشر، الفقرة الخامسة والعشرين. تاريخ الدولة العربية.
397