الفرق الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٣٩٩وضع
النبوية التي قد درست. فدعوا علماء الشريعة من المدينة، وكانت مقرا لهم حتى ذلك الحين، إلى بغداد، وكانوا دائما يسألونهم رأيهم، وذلك بأن كانوا يحرصون على المشكلات السياسية في ثوب فقهى، ويعملون على أن يكون الحكم فيها طبقا للقرآن والسنة. وأما الحقيقة فهى أنهم كانوا يستغلون الإسلام في أغراضهم الخاصة، وكانوا يربون علماء الشريعة في قصورهم، وكانوا يحصلون منهم على الإفتاء بصحة أشد الإجراءات بعدا عن الحق. وهكذا تخلص العباسيون من متاعب المعارضة من جانب أهل الديانة بأن ساعدوهم على النصر وجعلوهم مرجعا لهم
ولما كانت معارضة أهل الديانة قد وصلت بإسقاطها حكومة الأمويين إلى غايتها، فهى تستطيع الآن أن تطمئن، وذلك أن السياسة قد أصبحت في أيد أمينة، وليس على المسلمين بعد هذا أن يشتغلوا بها. ولما كان قد تحقق قيام الدولة الثيوقراطية، فيجب أن يزول مبدأ الثورة على السلطة القائمة. وقد أفلح العباسيون في أن يوجهوا الرأى العام هذه الوجهة، وقد ساعدهم على ذلك حاجة أهل ذلك العصر إلى الراحة بعد ثورات وحروب لم تنقطع، وذلك أن العرب كانوا قد استفرغوا في القتال كل طاقة كانت لهم واستنزفوا دماء أنفسهم.
ويجب أن يتوقع الإنسان من العباسيين أن يحابوا الشيعة، بعد أن كانوا حلفاء لهم في أصل الأمر، ولكن العباسيين غيروا سياستهم. وبعد أن كانوا يعتبرون العلويين وأنفسهم حزبا واحدا، صاروا يعادون العلويين تفاديا لأطماعهم. وكذلك نبذ العباسيون خاصة أنصارهم، وهم الشيعة الغلاة (الراوندية)، الذين كانوا منتشرين في فارس بنوع خاص. وتنكروا الأصل العباسيين، فيما يتعلق بالدين، قد انصرفوا عن الفرس إلى العرب، وتنكروا لأصل نشأتهم فى طرف من الدولة بعد أن استقروا في وسطها وأصبحت في أيديهم السيادة على أرض الدولة كلها، وانقادوا المذهب الجماعة التي ليس لها آراء خاصة، بل تأخذ الدين بالقبول على أنه مأثور منقول، وتكتفى بالمأثور المنقول الذي ينظم الحياة العامة لجميع الناس على نحو واحد من طريق أداء العبادات وتطبيق أحكام الشريعة وأبدت شيعة بني العباس استعدادها لطاعة أبى مسلم نائبا مفوضا من قبل آل البيت. فتولى أبو مسلم إعداد الثورة بنجاح كبير، ويظهر أن نشاطه في ذلك قد انقطع بسبب رحلة قام بها في جمادى الآخرة سنة 129 هـ إلى مكة. فهو لم يكن يقصد من الحج سوى غرض ظاهر. أما ما كان يريده في الحقيقة، فهو أن يزور الشيعة المتفرقين على اختلاف ألوانهم، لكي يدعوهم إلى الدعوة العباسية، ويهيئهم إلى الثورة
•
،
399