الفرق الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٤١٩لا جرم أن المعتزلة لا يقبلون بهذا الاسم. وهم إنما تنصلوا من اسم القدرية وأنكروه بقوة وشدة تخلصا من وصمة لقب المجوسية، إذ كان النبى قد ذم القدرية بتسميتها هذه الأمة (1)
مجوس
(6) الجهمية:
كذلك يلقب المعتزلة بالجهمية (2). والجهمية فرقة ظهرت قبل المعتزلة وقالت بالجبر وخلق القرآن، ونفت الصفات وأنكرت الرؤية السعيدة. فلما قام المعتزلة بعد ذلك أخذوا عن الجمهية أقوالها في خلق القرآن ونفى الصفات والرؤية، فأطلق عليهم أهل السنة اسم الجهمية، وصاروا يعرفون به عندهم. ويقول الشيخ جمال الدين القاسمي الدمشقى: فإن المعتزلة أخذت عن الجهمية القول بنفى الرؤية والصفات وخلق الكلام ووافقتها عليها، وإن كان لكل فروع واختيارات غير ما للأخرى، إلا أن ما توافقوا فيه من هذه المسائل الكبيرة جعلهم كأهل المذهب الواحد، فلذلك أطلق أئمة الأثر لفظ الجهمية على المعتزلة. فالإمام أحمد في كتابه الرد على الجهمية، والبخاري في الرد على الجهمية ومن بعدهما، إنما يعنون بالجهمية فيه المعتزلة، لأنهم كانوا في المتأخرين أشهر بهذه المسائل من الجهمية، ولكن كان غرض المتقدمين الرد ومناقشة الجهمية، لأنها الأم لغيرها، والسابقة على سواها في الظهور، بل هى أول فئة ظهرت في الإسلام بمذهب التأويل، وقام حزبها بالدعوة إلى مذهبها في ريعان الدولة الأموية كما تقدم، لذا غلب عند السلف اسمها على غيرها ممن قاربها وتلقى عنها.
بما ذكرناه، يزول الإشكال والاشتباه الذى يراه بعضهم من ذكر الجهمية في تلك المسائل، مع أنها في عرفهم وما يدرسونه فى كتب الكلام المتأخرة مضافة إلى المعتزلة. و حاصل دفع الإشكال أن تلقيبهم بالجهمية إنما كان لما وجد من موافقتهم للجهمية في تلك المسائل، مع مراعاة سبقهم فيها على المعتزلة، وتمهيدهم السبيل للتوسع فيها. (قال الغزالي (وأولوا من صفاته تعالى الرؤية وأولوا كونه سميعا بصيرا، وأولوا المعراج وزعموا أنه لم يكن بالجسد، وأولوا عذاب القبر (3)، وجملة من أحكام الآخرة. ولكن أقروا بحشر الأجساد، والجنة واشتمالها على الملاذ المحسوسة، وبالنار وباشتمالها على جسم محسوس محرق يحرق الجلود
(1) تأويل مختلف الحديث: 96، 98 والإبانة:
ص
ص
73
•
(2) الملل والنحل: ج 1 ص 50، وصبح الأعشى: ج 13 ص 251.
(3) الإحياء.