الفرق الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٤٢٦ومثله في السبق إلى التصنيف في ذلك عمرو بن عبيد - من كبار أئمة المعتزلة له كلام كثير في العدل والتوحيد على اعتقاد المعتزلة توفي سنة 143
قال الذهبي في الميزان: كان المنصور - الخليفة الشهير - يخضع لزهد عمرو وعبادته ويقول: كلكم يطلب صيده غير عمرو بن عبيد
تأثر المعتزلة: لما توطدت أركان الدولة الإسلامية وتوسعت أعمالها في عهد بني أمية، ولما لم تكن للعرب الخبرة الكافية في أمور الإدارة، فإنهم اضطروا إلى أن يعتمدوا في تصريف شئون البلاد على أهل الأمصار المتعلمين الذين اقتبسوا مدنية الفرس وحضارة البيزنطيين، فأسندوا إليهم أعمال الدواوين. وهكذا كانوا يحيون بين ظهراني المسلمين، ويحتكون دوما بهم والاحتكاك يؤدى إلى تبادل الرأي، والآراء سريعة الانتقال شديدة العدوى.
لا جرم أن أرباب تلك الديانات أثاروا بين المسلمين مسائل لاهوتية مهمة لم تكن لتخطر لهم. غير أن السلف تخوفوا منها وتجنبوها وحظروا على الناس الخوض فيها: أولا: لأنهم كانوا يرون فى الكتاب والسنة ما يكفيهم فى حياتهم فلا ضرورة لأن ينصرفوا إلى أبحاث دينية أخرى خارجة عنهما. وثانيا: لأنهم كانوا لا يقرون الجدل في أمور الدين ولا يحتملون المناقشة، إذ الدين عندهم مجرد إيمان قائم على النقل يميل بعض المستشرقين إلى القول بتأثر المعتزلة باللاهوت المسيحي. منهم دى بور الذي أصر على تأثر المسلمين، في صدر الإسلام، بالعقائد المسيحية ولاسيما في مسألة القدر. ومنهم ماكدونالد الذى يرى أن القدرية تأثروا، ولا ريب،، بأساليب الكلام اليونانية كما تطورت في المدارس البيزنطية والسورية.
كذلك يرى فون كريمر أن المعتزلة ظهروا تحت تأثير اللاهوت اليوناني، وأنهم تأثروا بصفة خاصة بيحيى الدمشقى وتلميذه ثيودور أبى قرة، لأن آباء الكنيسة كانوا يتجادلون في حرية الإرادة وفى الصفات الأزلية، فتسربت أقوالهم في ذلك إلى المعتزلة بعد فتح المسلمين للشام. ويشير فون كريمر إلى الشبه بين قول آباء الكنيسة في إنكار عذاب النار، وبين قول جهم بن صفوان في فناء الجنة والنار وفناء حركات أهلهما، وهو ما أخذه المعتزلة فيما بعد عن الجهمية، وحوروه، فقالوا: إن الجنة والنار لا يفنيان ولكن تفنى حركات أهلهما فقط. غير أن أحمد أمين يعترض على فون كريمر ويقول إن نشأة
426