الفرق الإسلامية وحق الأمة السياسي محمد إبراهيم الفيومي

الفرق الإسلامية

الجزء ١ · صفحة ٤٣٢

،

ولقد كانت دار الإسلام في القرنين الأولين بعد الهجرة دار الحرب والنزاع فتشاجرت فرق الأمة، وتخاصمت الأمة الإسلامية وأمم الأديان السابقة على الإسلام في الشرق. فإن التاريخ يدل على أن أمر الإسلام لم ينفذ إلا تدريجا ولم يخط إلا خطوة خطوة. ولم يزل فى دار الإسلام عدد كبير من المسيحيين واليهود والثنوية، لاسيما أصحاب مانى الذين كان مركزهم القديم فى العراق ولم يزل هناك كثيرون على مذهب الديصانية والمرقيونية وغيرهم من فرق الثنوية. وكانت الدهرية وهم الفلاسفة ذات شأن وقوة ونشاط، وظهرت السمنية وأصلها من بلاد الهند، وهلم جرا. وكان لكل واحد من هذه المذاهب كلام مدقق وعقائد محررة مقررة مرتبة على أصول فلسفية وفروع منظمة. وكان الإسلام في بادئ أمره لم يبين علماؤه عقائده ولم يبحثوا عنها على طريق منطقى فلسفى، فلم يكن للمسلمين ما يكفيهم مئونة الخصوم ولم يستطيعوا أن ينازعوهم بأسلحتهم، وفضلا عن ذلك فكان للأديان المذكورة استعداد وتعود منذ قرون على الرد على خصومهم ببراهين ودلائل، ولم يكن في الإسلام من ذلك إلا شيء قليل. ثم دخل من تابعى تلك المذاهب عدد لا يحصي في الإسلام، فلما أسلموا لم يتركوا في الحقيقة ما قد كانوا عليه من الشعور والوجدان والأفكار. فانسل في الإسلام ما هو غريب عن روحه بعيد عن أصله وإن كان ظاهره الإسلام. ويظهر عند البحث التاريخى أن الشيعة كانت محل امتزاج الثنوية بالإسلام خاصة، إذ في أفكارها الرئيسية من المناسبة لآراء الثنوية ما لا يخفى. مثال ذلك قولها في أئمتها وتجسيمها الذى هو أقرب شيء إلى تجسيم الثنوية. ثم ثبت عن كثير من رجالها أنهم جمعوا بين الرفض والزندقة، والزندقة هى مذهب الثنوية. فذكر صاحب الفهرست (1) عدداً ممن أظهر الإسلام وأبطن الزندقة:

(2)

منهم أبو شاكر الديصانى الذى يدل مجرد لقبه على أصله، وعده الخياط من الرافضة. ومنهم أبو عيسى الوراق وهو أستاذ ابن الراوندى ويعد من الرافضة (3) ثم أخبر الخياط عنه أنه كان يستكره قتل الحى من أي صنف كان، (4) وهو مذهب ماني بعينه. ومنهم نعمان وابن طالوت وهما من شيوخ ابن الراوندى وكان هؤلاء من المتأخرين الذين ظهروا بعد محنة الزنادقة فى أول دولة بني عباس،

(1) الانتصار: ص 338

(2) ص 41 و 142 (3) نفس المرجع: ص 149 و 150 و 152. (4) نفس المرجع: ص 155. (5) ص 142

(0)

432