الفرق الإسلامية وحق الأمة السياسي محمد إبراهيم الفيومي

الفرق الإسلامية

الجزء ١ · صفحة ٤٣٣

كان مع

فما ظنك بالمتقدمين. وكان منهم ابن المقفع وإن لم يتضح أمره، لكني أميل إلى أنه المذكورين على حد سواء، إذ كان أصله مجوسيا، ثم انتقل إلى الإسلام وانتسب إلى الرافضة. وما ورد في بعض الكتب القديمة من كلامه يدل بالأقل على أنه كان يعبر عن إسلامه بعبارات الثنوية وعن أفكار زنديقية بعبارات إسلامية. وقد تقدم أن بعض أهم أصول المعتزلة كانت موضوعة أو لا للرد على الرافضة والملحدين. والواقع أنهم لم يزالوا على أشد عداوة عليهم إلى آخر أمرهم. فإذا شئت البرهان على ذلك فانظر إلى مجالس أبي الهذيل مع هشام بن الحكم ومجادلات النظام رافضة عصره والمناظرات بين السكاك الرافضي وبين الإسكافي و جعفر بن حرب في البصرة (1) وإلى ما عمله الجاحظ حين سل صارمه عليهم وانظر إلى نفس الكتاب الذي بين يديك.

مع

ولم تقتصر المعتزلة على الرافضة، بل دعاهم الحال وما وجدوا الرافضة عليه من الصله بالثنوية إلى أن يحولوا الحرب إلى مخالفيهم ويحاصروا قلعتهم ويحملوا على مخازنهم، فتهجموا على الثنوية والديصانية والدهرية وغيرهم ممن استمد الرافضة منهم، ولم يسبقهم في الإسلام أحد إلى الرد بمثل هذا المقدار ..

+

وتاريخ المعتزلة مفعم بما جرى من هذا الجنس. فتجد في زمان واصل وعمرو: بشار بن برد و صالح بن عبد القدوس وهما بلا شك من الثنوية، فقام واصل وعمرو عليهما وناظراهما ونقضاهما وطرداهما، وكذلك فعل عمرو بجرير بن حازم الأزدى السمنى في البصرة كما جاء فى كتاب الأغانى. (2) ثم جاء أبو الهذيل العلاف وناظر الثنوية في البصرة ونقل عددا كبيرا منهم إلى الإسلام، منهم مجوسي اسمه ميلاس كما ورد في كتاب ابن المرتضى في ترجمة أبي الهذيل. ثم ظهر النظام وهو من أحذق من تكلم في الشرق، ولم يزل على حرب مستمرة مع الثنوية والديصانية والدهرية و قطعهم وأبطل كلامهم.

هذا ما قد تجلي شيء منه عند البحث الدقيق عن الأخبار المتفرقة في الكتب وعن حكايات أهل السنة في كتبهم فى الفرق مع سعيهم في تحريف مقاصد المعتزلة، ثم أخبر عن ذلك صراحة ابن المرتضى والجاحظ فى الكتب الباقية منهما. ثم ظهر الآن كتاب الانتصار، وها هو ذا بين يديك وستقرأ فيه ما يؤيد ذلك كل التأييد وستجد خصوصا تفصيل مناقشات النظام مع المذاهب المذكورة. وهذه المناقشات مما يبطل تماما كذب الخصوم على المعتزلة بأنهم قصدوا إلى الزندقة وهدم الإسلام. والواقع أنهم

(1) نفس المرجع: ص 110 - 111 و 142

(2) كتاب الأغاني: (3: 24).

433