الفرق الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٤٣٤كانوا على ضد ذلك قطعا، وهم أشد المسلمين دفاعا عن الإسلام في ذلك الزمان وحمية على مخالفيه (1)
وأنا أميل إلى القول بأنه لم يكن في التاريخ أحد نجح نجاح النظام في إبطال كلام الثنوية وإسقاطهم عن مركزهم وشأنهم فى الشرق الأدنى. ولم يصدر هذا الكد من هوى حل بهم ولم يقع عبثا. بل قامت المعتزلة بأشد ما احتاج إليه الإسلام في ذلك العصر وهو الاستعانة بما استعانت به الأديان المحيطة به كلها من أسلوب متين، وطريق فلسفي، لإبراز ما كمن في الدين من القوى والفضائل، فلم يكن بد من الاستغراق في الأبحاث والدقائق ليظهر الإسلام فى مظهر التحدى ويفوز ما أراد فوزه. ولو لم يقم بهذا الواجب من الأمة من كانت له كفاءة له لما تقرب الإسلام إلى الأذهان ولما نهض بين الأديان ولما صار له إلا سلطة ظاهرة فانية
فحلت المعتزلة من تاريخ الإسلام محل المدافعين عن حوزة المسيحية في أول أمرها من تاريخ المسيحية. وفي هذا الملحظ مفتاح قيمة المعتزلة، وبيان جهادهم الفكرى. فكما أنه لا ريب فى أن أولئك المدافعين هم الذين أسسوا: علم اللاهوت بمناظراتهم مع فلاسفة الوثنيين واختلاسهم أسلحتهم من أيديهم عند ذلك، كذلك أوجدت المعتزلة كلام الإسلام وأسسته. ومعنى الكلام هو المكالمة والمناظرة والمجادلة، وتشهد كل صفحة من الانتصار بأن تلك المناظرات بين المعتزلة والملحدين وأصحاب سائر الأديان هي مصدر كلامها ومأخذ آرائها ومناط دلائلها، ولا يفهم شيء من مغزى كلامها إلا عند المراجعة على هذا الأصل
(2)
وهذا اجتهاد بقى ثمره إلى الآن، إذ استمد أهل السنة منه في كل باب عند الخوض في مناسبات هذه المسائل كما هو معروف عن الإمام الأشعرى أنه كان من تلاميذ الجبائي قبل ظهوره بمذهبه. ولو لم تكن المعتزلة مهدت الطريق لما كان لأهل السنة تقدم في هذا الفن مثل تقدمهم. ثم نريد أن نشير إلى شيء آخر وهو أن قوما هذا شأنهم وموقفهم إزاء أعداء كثيرين ونحل مختلفة متدربة على المناظرة لابد وأن يكون في أسلوبهم شيء من الضعف والتردد والعدول عن سواء السبيل، إذ من نازل عدوا عظيما في معركته فهو مربوط به مقيد بشروط القتال وتقلب أحواله، ويلزمه أن يلاحق عدوه في حركاته وسكناته
(1) المعتزلة - زهدى جاد الله
(2) مقدمة كتاب الانتصار - المحققه دكتور نيبرج
434