الفرق الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٤٦عثمان، كتب من بالمدينة إلى من بالآفاق منهم، وكانوا قد تفرقوا من الثغور بالعودة إلى المدينة لمدارسة الوضع، فإن الجهاد في المدينة وليس في غيرها. وكانت الرسائل ملهبة في بعض العواصم الإسلامية أكثر من غيرها. فمثلا فى الكوفة كان أكثر لكونها كانت أكبر مركز للمعارضة، قامت ثورة فيها يقودها مالك بن الأشتر وهو من كبار اليمنيين والذى أصبح من أكبر قادة الأمة لعلى فيما بعد، وكان من أسبابها كما يحكى الطبرى: أنه حين ولى الكوفة من قبل عثمان رضي الله عنه: سعيد بن العاص، قال وهو في مجلس من وجوه أهلها وفيهم مالك بن الأشتر: إنما هذا السواد بستان قريش. فقال مالك بن الأشتر وكان حاضرا: أتزعم أن السواد الذي أفاءه الله علينا بأسيافنا بستان لك ولقومك؟! والله ما يزيد أو فاكم نصيبا إلا أن كان كأحدنا. ثم قامت مناقشة بينهم وبين الوالى، وتدخل رجال الشرطة .. ثم تطورت الثورة واتهم مالك بن الأشتر سعيدا، إلى جانب زعمه أن السواد بستان قريش، بأنه يريد إنقاص الأعطيات المفروضة. هنا استدعاه عثمان، فلما عاد سعيد من مكة، خرج أهل الكوفة بسيوفهم لرده، فرجع إلى عثمان، فعزله وولى أبا موسى الأشعرى، استصلاحا لأهل الكوفة، وإسقاطا لحجتهم، ولم يرض أبو موسى الأشعرى أن يصلى بهم إلا بعد أن اعترفوا بعثمان (1)
لم يرض المصريون بولاية ابن عم عثمان عبد الله بن سعيد بن أبي السرح، وكان النبي قد طرده وأباح دمه، فثار فاتح مصر عمرو بن العاص وهو الرجل الداهية الخطر. وثار عليه محمد بن أبي حذيفة، وكان من أقارب عثمان، لشيء في نفسه يترجمه الطبري: بأنه طلب من عثمان أن يوليه عملا، فلم يجده أهلا لذلك، فتغير على عثمان. وثار عليه محمد بن أبى بكر، وذلك بسبب انشقاقه في معركة الصواري وكانت بين المسلمين وهرقل قرب شواطئ لوقيه. ولما التقى الأسطولان، أمن الجيشان بعضهما بعضا حتى قرنوا بين صوارى السفن. انشق محمد بن حذيفة انشقاقا روحيا أكثر منه حربيا، وأخذ يعيب على عثمان ما صنع وخصوصا استعمال عبد الله بن سعد، فنبذه عبد الله وتركه يقاتل وحده
وتحت ضغط هذا التذمر الذي قوبل به عبد الله بن سعيد بن أبي السرح، ثار عليه أهل مصر وذهبوا إلى عثمان وسمع شكواهم ثم أقنعهم بالعودة وبإزالة أسباب
(1) الدولة الأموية بين عوامل البناء ومعاول الفناء: د. محمد الطيب النجار. تاريخ الدولة العربية فيلهوزن -
ترجمة د. محمد عبد الهادي أبو ريدة
46