الفرق الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٤٧شكواهم. وبعد أيام قلائل، وصل المصريون إلى المدينة مرة ثانية فجأة، وأحضروا خطابا من الخليفة موجها إلى عامله بمصر يأمره فيه بقتلهم وصلبهم وجلدهم وحبسهم، وأطلعوه عليه، فأقسم بالله أنه ما كتبه ولا أملاه ولا أشار به، ولا علم به. فقالوا: إنهم وجدوه مع. غلامه، وعلى جمله، وهو بخط كاتبه وعليه خاتمه. فأجاب أن كل ذلك بغير علمه، وأنكره وقال: الخط يشبه الخط، وإن الخاتم يجوز أن ينتقش مثله. فقالوا: أيجترئ عليك فيبعث غلامك على جملك وينقش على خاتمك، ويكتب إلى عاملك بهذه الأمور العظام؟! فإما أن تكون ضعيفا مغلوبا، أو غافلا لا يصح أن يلى أمور المسلمين. ثم طلبوا منه أن يعتزل ويخلو إلى نفسه، ولكنه رفض ذلك رفضا حاسما. وقال: لست خالعا قميصا البسنيه الله عز وجل، حتى يئس الصحابة من استجابته وهم: على وطلحة والزبير، وخرجت الحوادث من أيديهم، فلم يستطيعوا إيقاف سير الحوادث، وكان تيارها جارفا وأعاصيرها مهلكة
(1)
(5) مقتل عثمان:
أثار مقتل عثمان حربا أهلية من أجل اختيار خليفة يخلف عثمان، واتخذ شكلا قبليا يهدد مبدأ الوحدة الدينية، ويهدد نظام الحقوق والواجبات التي كانت أساسا ثابتا من أسس الإسلام.
أججت نار العصبية القبلية بين البيت الهاشمى وبني أمية، ثم بين عائشة وطلحة والزبير وبين الإمام علي. نظمت عائشة مع الزبير جيشا لاقت به جيش على في موقعة تعرف بالجمل، نسبة إلى جمل عائشة، انتصر فيها الإمام على وقتل طلحة والزبير، أما السيدة عائشة فقد أرسلها على إلى مكة معززة مكرمة. ثم خرج عليه معاوية في موقعة تسمى صفين. ولم يكن النزاع بينهما دينيا أو صداما بين الأسس الدينية، والأسس الدنيوية، إنما في الحقيقة نزاع بين القوى القبلية أغمر به، وبين الوحدة الإسلامية السياسية. يقول جب: وهى وحدة معتدلة تنطوى فى أقل صورها على احترام الأسس الدينية التي تقوم عليها الجماعة (2)
(1) الطبرى: ج ه.
(2) دراسات فى الحضارة الإسلامية: ص 3. هاملتون جب. دار العلم للملايين.
47