الفرق الإسلامية وحق الأمة السياسي محمد إبراهيم الفيومي

الفرق الإسلامية

الجزء ١ · صفحة ٥٢

مع

خراسان فقد كانت على ذلك الحين لاتزال فى مرتبة ثانوية جدا، وكان الشقاق في هذه الجهة النائية قليل الأثر على وسط الدولة. أما في الشام فقد كان الأمر على خلاف ذلك، وكان من المستحيل أن يغيب عن بال أهل الشام أنهم لابد لهم من أن يتضافروا الأسرة الحاكمة لكي يحافظوا على مركزهم، هم، وكان ذلك عاملا فعالا في كسر شوكة الخصومة القبلية بينهم. فكانت كل ولايات الدولة، عدا بلاد أهل الشام، تعتبر خاضعة مغلوبة، وكانت بلادهم وحدها هي التي تعتبر الغالبة الحاكمة. وكانت مصلحتهم - وهى مصلحة مادية إلى حد كبير - فى أن تظل الخلافة والسيادة ملكا لهم، من جملة الأسباب التي أوجدت شعورا بالتضامن السياسي بينهم. وقد تجلى هذا الشعور بنوع خاص فى المناسبات التي كان لابد لهم فيها، بوصف أنه جيش الدولة، من محاربة أعداء الأسرة الحاكمة في الداخل والخارج. وقد أتيحت لهم فرص كثيرة

لذلك (2)

(1)

ولكي يزيد خلفاء بني أمية في رجحان كفة الشام من الناحية السياسة، حاولوا، فيما حاولوا، نقل مركز الشعائر الدينية إلى الشام، وكان مما استوجب ذلك أن ابن الزبير ظل يحتل البيت الحرام في مكة قرابة من عشر سنين، فلم يكن أهل الشام

يستطيعون الحج، ما داموا على ولائهم للأسرة الأموية، إلا بمشقة فقد كان للشام في بيت المقدس المكان الوحيد الذى يستطيع أن يباري مكة، على ظهر الأرض (3). ولم يكن مكانا مقدسا عند اليهود والنصارى فحسب، بل كان عند المسلمين أيضا مكانا مقدسا من أول الأمر. وقد جعل الخليفة عمر لبيت المقدس بفضل زيارته له شأنا خاصا، وأثار بذلك حسد أهل العراق.

وفي بيت المقدس نصب معاوية أيضا نفسه خليفة، وصلى في هذه المناسبة على جبل الجلجلة وعند جيتسيماني. ولكن عبد الملك ترك ما كان ينويه من إحلال القدس محل مكة، إن كان قد نوى ذلك على الإطلاق، وذلك بمجرد أن امتد سلطانه إلى ما وراء بلاد الشام. وقد بدا أن فكرة إحلال بيت المقدس محل مكة بالنسبة للأمة الإسلامية كلها فكرة لا يمكن تنفيذها (4)

(1) تاريخ الدولة العربية: فيلهوزن - ترجمة محمد عبد الهادى أبو ريدة.

(2) الدولة الأموية: الدكتور / محمد الطيب النجار.

(3) الطبرى: ج 2 ص 1666 س 3

(4) تاريخ الدولة العربية.

02